الغبقة الرمضانية المعمارية، تركت انطباعاً لدي أننا معشر المعماريين غير متفائلين، وقلت للزملاء إن هناك بعضاً من التقاليد تبقى، مثل الغبقة الرمضانية، فهي مثال حي لقوة بعض التقاليد التي تحدث بعض التوازن لهوية المجتمع..

رمضان في المنطقة الشرقية ليس كمثله في مكان آخر، قبل دخول الشهر الكريم وصلتني دعوة لكل ليالي الشهر الكريم من بيوتات معروفة في المنطقة تعودت على ترتيب ما يعرف بـ"الغبقة الرمضانية" وهي عبارة عن لقاء اجتماعي له تقاليده، وتتنافس الأسر على تنظيمه وترتيبه إلى درجة جدولة اللقاءات حسب الأسر طوال الشهر وتوزيعها على المدعوين في وقت مبكر. الغبقة تجمع بين اللقاء الاجتماعي والعشاء المتأخر أو السحور المبكر، وغالباً ما ينتهي اللقاء قبل منتصف الليل، لكنه يمثل "المجلس الاجتماعي الرمضاني" الذي تدور داخله كثير من الحوارات وتجتمع فيه الأجيال المختلفة لتشكل رابطة عميقة وتواصلاً مستمراً. البعض يرجع أصل الغبقة إلى الكويت، وهي كلمة عربية فصيحة مشتقة من "الغبوق"، أي حليب الناقة الذي يشرب ليلاً. لذلك ليس غريباً أن يطلق على شهر رمضان المبارك في الشرقية بأنه "شهر الغبقات"، لأنه شهر الزيارات والاجتماعات وتداول الأحاديث التي نادراً ما تثار في الأيام العادية وفي اجتماع حافل يتكرر يومياً لمدة شهر كامل.

قبل أيام كنا في غبقة معمارية، بدعوة من الصديق المعمار عبدالفتاح المؤمن، والحقيقة أنه نادراً ما يكون هذا الاجتماع متخصصاً، بل هو للحوار العام وتناول قضايا المجتمع، لكن لأن حضور تلك الدعوة كانوا جميعهم معماريين، لذلك أصبحت الغبقة معمارية بامتياز. ولعل أول حوار أثير في ذلك اللقاء هو "صراع الأجيال"، فقد كان الحضور من جيلين مختلفين من المعماريين، ويبدو أن فكرة الصراع بين الأجيال، أو كيف يفكر الجيل الشاب مقارنة بالأجيال السابقة تمثل إشكالية ارتبطت بمفهوم استقرار القيم وتشكل نمطاً واضحاً للحياة يمكن أن يميز المجتمع السعودي المعاصر، وبالتالي يمكن أن تتطور حوله مبادئ واضحة لعمارة تميز هذا المجتمع وتعبر عن ثقافته. لقد استقر الرأي على أنه يصعب وجود قيم مستقرة في ظل هذا التسارع في عوامل التأثير الخارجي الذي أفرزته وسائل التواصل الاجتماعي، فما كان مستقراً لقرون أصبح متغيراً بشكل سريع، وما كان مستمراً لعقود طويلة صار يتحول خلال بضع سنوات. إذا كيف يمكن التفكير في المشترك وفي العقلية الجمعية وفي الهوية الثقافية في ظل هذه التحولات السريعة؟

تطرق الحوار إلى الأسباب التي لا تجعلنا في المملكة قادرين على صنع عمارة خاصة بنا، وبالطبع فإن الحديث عن العمارة وفي رمضان يبدو ثقيلاً إلى حد ما، لكنه تحول من حديث عن جوهر العمارة وصفاتها إلى حديث عن الأسباب المجتمعية والإدارية والتقنية التي تضع العراقيل أمام تطور مدرسة معمارية سعودية معاصرة، فقد تنازلنا بمحض إرادتنا عن كل الإرث المعماري الذي كان يميزنا ولم نستطع خلق بدائل له. بعض الزملاء كان يرى أن ذلك الإرث لم يعد مناسب لنا، خصوصاً للأجيال الحالية، فبعضنا عاش تلك المرحلة التي كنا نسكن فيها في الحارات القديمة، لكن تلك الحياة لم تعد موجودة وتلك العمارة أصبحت موروثاً تاريخياً، وعلينا اليوم أن نبحث عن شيء جديد يميزنا. لكننا لا نستطيع العثور على بداية الخيط ولا يوجد بوادر لذلك. ويرون أن الأمر يزداد صعوبة مع هذه التغير اللحظي في مكون المجتمع ومنظومته القيمية، إضافة إلى اعتمادنا الكلي على استيراد التقنية بعد أن كنا ننتج تقنية البناء محلياً إلى حد كبير. إذاً نحن نواجه تحديات كبيرة تمنعنا من خلق مدرستنا المعمارية، وهذا أمر يستحق أن تلتفت له النظم التعليمية لمدارس العمارة في المملكة.

من المتفق عليه أن القيم حتى تستقر، وأن الأفكار حتى تنضج، تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل مجموعة من الأفراد إلى الإيمان بهذه القيم والأفكار، إذا هناك ثمة علاقة وثيقة بين التحولات السريعة وتشتت منظومة القيم التي تستدعي منا التفكير ملياً في مستقبل العمارة بشكل خاص وانتظام المجتمعات بشكل عام. ما كنا ننادي به قبل ثلاثة عقود وكنا نراه صعباً أصبح شبه مستحيل في وقتنا الراهن. وطالما أن القيم والأفكار في حالة تحول دائم، فإن العمارة ستكون في حالة تحول مستمر، ولا جدوى من البحث عن الهوية، لأنها ستكون في هذه الحالة هوية غير مستقرة وشبه لحظية.

الغبقة الرمضانية المعمارية، تركت انطباعاً لدي أننا معشر المعماريين غير متفائلين، وقلت للزملاء إن هناك بعضاً من التقاليد تبقى، مثل الغبقة الرمضانية، فهي مثال حي لقوة بعض التقاليد التي تحدث بعض التوازن لهوية المجتمع. ومع أنني من الذين يؤمنون بالهوية النسبية ولا أرى أن هناك ما يسمى بالهوية الثابتة الدائمة، إلا أنني متخوف من الهوية اللحظية التي تخلق التشتت وتفكك ثقافة المجتمع وتضعف منظومته القيمية.