في قصة نوح عليه السلام والفلك الذي صنعه لينجو هو ومن معه من المؤمنين من الطوفان دروس قيادية كثير نستلهم منها في حياتنا المهنية ومنها:

أولاً- مؤشرات الأداء ليست كل شيء: من أساسيات العلوم الإدارية أن ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته. وعليه أصبح من المتعارف عليه في وضع الاستراتيجيات والخطط التنفيذية الاتفاق على مؤشرات أداء KPI أو أهداف ونتائج رئيسية OKRs بحيث يمكن قياس الأداء وتقييم عمل الإدارة والمنظمة وحتى الموظف. ومع التسليم بأهمية هذه البيانات والإحصائيات، إلا أن هنالك حالات لا تنطبق عليها هذه المفاهيم القائمة على الأرقام. فلو نظرت إلى قصة سيدنا نوح عليه السلام لوجدت أنه لبث في قومه تسع مئة وخمسين سنة. وتعد في حساباتنا البشرية دون شك فترة طويلة. ولكن النتيجة في النهاية كانت أنه ما آمن معه إلا قليل. وبالرغم من ذلك فنوح عليه السلام هو أول من يأتي في قائمة أولي العزم من الرسل مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. وفي هذه فائدة عظيمة أنه لا يمكن اتخاذ جميع القرارات وعمل التقييمات استناداً على الأرقام وحدها. فهنالك رسل آخرون آمن على يدهم أعداد أكبر من الناس وفي فترة زمنية أقل بكثير. ورغم ذلك لم يكونوا من أولي العزم. ولذلك فمن المهم عند اتخاذ القرارات معرفة الظروف المحيطة والتحديات والجهد المبذول من الشخص والمنظمة وعدم وقوع في فخ الأرقام التي لا تكون صادقة دائماً.

ثانيا- لا تجامل أقرباءك وأصدقاءك في العمل: حاول نوح عليه السلام إقناع ابنه كنعان أن يركب معه السفينة ولكن الابن رفض وحاول أن يأوي إلى جبل سيعصمه من الماء. كانت النتيجة النهائية بأن حال بينهما الموج وغرق كنعان. وكان الرد الإلهي من الله عز وجل واضحاً: (قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِح ۖ فَلَا تَسْـَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجاهِلِينَ). وفي هذا درس مهم بعدم محاباة الأقرباء والأصدقاء في العمل وفي التعيينات وغيرها أو ما يسمى بلغة عصرنا الحالي (الواسطة). والسبب في أن هذه الممارسات تخلق ثقافة تحارب النزاهة وتدعم الفساد وتجعل الأولوية والأفضلية قائمة على العلاقات والنفاق والمصالح وليس الكفاءة والالتزام والإنتاجية. ودون شك فالتزام القائد بالأنظمة والسياسات ومنعه وحربه على هذا النوع من الفساد محفز كبيرة لبقية أفراد المنظمة للعمل على نفس النهج.

ثالثاً- أهمية القوة النفسية وتماسك الأعصاب: أحد أسرار عظمة سيدنا نوح عليه السلام هي صبره وقدرته على الحفاظ على أعصابه متماسكة أو ما قد نسميه القوة النفسية بلغتنا المعاصرة. فلاحظ طول المدة التي لم يتوقف خلالها عن دعوة قومه رغم مرور ما يزيد على تسعة قرون! ولاحظ ردة فعل قومه حين كانوا يستغشون ثيابهم ويصمون أسماعهم عن حديثه. بل وكانوا يسخرون منه كلما مروا عليه وهو يصنع الفلك. هذه الإصرار والعزم على الاستمرار درس عظيم لكل قائد في التحمل وعدم اليأس أمام الصعاب المختلفة. فمهمة القائد هي أن يظل صامداً ويبث الروح الإيجابية ويشحذ معنويات وعزائم فريقه لتحقيق الأهداف المنشودة.

رابعا- ضرورة الرد على الحملات الإعلامية السلبية أحياناً: رغم أن التجاهل وعدم الالتفات إلى الرسائل السلبية والحملات المعادية هو الحل الأنجع فيكثير من الحالات قتل الشائعات وعدم نشرها بالتجاوب والتفاعل معها، إلا أن هنالك حالات تتطلب الرد ووضع حد لهذه الحملات التي أصبحت نوعاً من أنواع الحروب الإعلامية والقوة الناعمة. خاصة إذا ما ارتبطت بالحالة المعنوية لدى الفريق والذي قد يتأثر بشكل أكبر من كثير من القائد. ونجد ذلك في سخرية نوح عليه السلام من قومه الذين كانا يسخرون منه وهو يصنع الفلك ولا يعرفون المصير الذي ينتظرهم كما في قوله عزوجل: (وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) .

خامسا- الجودة مسؤولية القائد: لاحظ أن نوح عليه السلام كان يصنع الفلك بنفسه. وفي المفاهيم القيادية من الملهم جداً للفريق أن يكون القائد هو من يبادر بالحرص على ضمان الجودة وتقديم المنتج أو الخدمة النهائية في أفضل صورة ومن أرض الميدان وليس من على بعد ومن وراء الشاشات والمكاتب العاجية.

وختاماً، أثنى الله عز وجل على نوح عليه السلام بأنه كان عبداً شكوراً. من المهم أن يستشعر الإنسان حتى وهو أكبر الأزمات وأصعب المشكلات حجم النعم الكبيرة التي يعيشها ويشكر الله عليها. لأن هذه النظرة الإيجابية ستكون له الدرع الذي يصد هجمات القلق والاكتئاب والسيف الذي يضرب به نزوات التكبر والإعجاب.