إن عدم تمكننا من قراءة ماضينا قراءة لها معنى بحاضرنا هو أحد أسباب عجزنا عن التخطيط لمستقبلنا العربي، فأي فلسفة للتاريخ ليست قيمتها في ذاتها، بل فيما تقوم به من دور في الحاضر، وذلك من خلال إعادة بناء التاريخ بصورة فلسفية على ضوء الحاضر..

تتقاسم المجتمعات طريقتان في التفكير: الطريقة الميكانيكية: والتي تقوم على صلابة المواقف اتجاه الأفكار والأشخاص والأشياء.

والطريقة المتكيفة: المنفتحة على الأفكار والمعلومات الحديثة والتطورات الجديدة.

ففي إحدى الندوات الفكرية كان السؤال الذي يتردد أثناء الندوة.. لماذا نقتبس الأفكار من الغرب ولا نقتبسها من الثقافات الأخرى سواء كانت قديمة كاليونانية والهندية وثقافات الشرق القديم، أو حديثة كالصينية واليابانية، واللاتينية؟ وهو سؤال منطقي إلا أن هنالك من يقول إن الغرب الصناعي فرض اليوم طابعه على العالم الحديث، ولذلك اكتسبت العلاقة مع الغرب طابعًا يختلف عن طابع العلاقة بالفكر اليوناني أو ثقافات الشرق القديم، فتيارات التجديد في الفكر العربي كانت ولا تزال ترتبط بنوع من العلاقة مع الفكر الغربي الحديث وهي علاقة تتراوح بين الاستلهام والاقتباس والتبني الجزئي أو الكلي وبين التحفظ أو الرفض، ذلك لأن الغرب بلغ أرقى مراحل التقدم التي وصل إليها الفكر الإنساني، ولكن ليست المعضلة في الأخذ أو عدم الأخذ من ثقافة وتقنيات الغرب وإنما كما يقول الدكتور محمد عابد الجابري كيف نحافظ على ذواتنا وكياننا وفي نفس الوقت نشارك هذه الحضارة والتي أصبحت اليوم حضارة العالم، ولن يتأتى لنا ذلك إلا عن طريق العلم والمناهج الحديثة فالعلم والمعرفة أصبحت اليوم عالمية أو لنقل إنسانية لا وطن لها.

وإن كان الغرب بشكل عام احتكاري لن يجعلنا نملك ركائز العلم والتقنية المتقدمة وإنما يريدنا سوقًا مستهلكًا لمنتوجاته.

ولكي ندرك خطورة هذه الظاهرة على مستقبل الفكر العربي والتي تعود تاريخياً إلى مرحلة الاستعمار والاستشراق والتبشير إلا أنه كان تداخلاً يتم ببطء وهذا النوع من التداخل الفكري لم يكن يشكل خطرًا على الثقافة والفكر العربي، وكان محصورًا في التنظير أو ثقافة النخبة.

ولكن الآن حلت العولمة بديلاً لتلك المرحلة التاريخية وفاقت كل التوقعات ذلك بعد ظهور شبكات الإنترنت وتطورها الهائل في أوائل التسعينات والمشاركات المفتوحة للأفكار والمعلومات عبر الإنترنت والتحكم في مجالات الحياة الفردية والجماعية وأنماط السلوك والأذواق والوجدان والقيم الإنسانية والخصوصيات الثقافية، وظهور ما يعرف بالمجتمع العالمي، وقد انعكس كل هذا على الفكر العربي وأصاب الخصوصية الثقافية في مقومات أصالتها، وأحال كل شيء إلى فكر العولمة.

هذه المخاوف التي نعبر عنها هنا مخاوف مبررة تمامًا ولا تنطوي على أية مبالغة، وهي بعد ليست مخاوفنا نحن وحدنا، بل قد بدأ التعبير عنها صراحة في الصين ومن بعض الدول الأوروبية نفسها؛ ففي فرنسا مثلًا ارتفعت أصوات رسمية وغير رسمية تنبه إلى الخطر الذي يتهدد لغة فرنسا وثقافتها ومقومات خصوصيتها من طرف اللغة الإنجليزية والانكلو – سكسونية، وقد دخلت الدول الأوروبية فعلاً في مفاوضات فيما بينها بهدف إقرار نوع من التوازن في البرامج التي تبثها الأقمار الصناعية بحيث يكون هناك حضور مناسب للغات الأوروبية الرئيسة، وبالتالي للثقافات والخصوصيات التي تحملها هذه اللغات، وواضح أن هذا النوع من التنسيق الأوروبي يرمي إلى إقرار التوازن داخل أوروبا لحماية الخصوصية الثقافية.

إن عدم تمكننا من قراءة ماضينا قراءة لها معنى بحاضرنا هو أحد أسباب عجزنا عن التخطيط لمستقبلنا العربي، فأي فلسفة للتاريخ ليست قيمتها في ذاتها، بل فيما تقوم به من دور في الحاضر، وذلك من خلال إعادة بناء التاريخ بصورة فلسفية على ضوء الحاضر والتي هي في الحقيقة إعادة بناء الوعي بصورة تاريخية.

وهذا ما حدث مع أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما قامت بإعادة بناء وضعها على صورة الحاضر.

ولكن يظل السؤال المحايد هل نريد فعلًا استعارة الأصول النظرية الغربية؟

ولأي غاية نريد توظيفها من غير أن ندخل فيها عطاءنا الفكري والإبداعي؟