كانت الثقافة -ولا تزال- أحد الروافع المهمة التي يُعوّل عليها في النهوض بالأمم وتسييجها بالوعي المُقاوِم لهشاشة الفكر والزيف والتسطيح؛ ومن هنا فإنها -الثقافة- تحتلُّ موقعاً مهمّاً في استراتيجيات الدول وتضعها في قلب اهتماماتها الأبرز كالسياسة والاقتصاد.

فالثقافة سلاح ناجع بمقدوره أن يُبطِل حالة الاستقطاب والذوبان والتسليع والتنميط التي تسعى إلى تكريسها الحروب الفكرية والحملات الإعلامية المضللة عبر أدواتها العديدة بهدف السيطرة والتضليل، وتحويل شعوبنا إلى مسوخ لا تملك مقاومة أمام المحاولات البشعة للتضليل والاستغلال وجرّ الشعوب إلى حالة من الانخذال والضعف والهوان، فيجد العربي نفسه نهباً للاستغلال والاستدراج تحت ستار شعارات برّاقة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وما الربيع العربي المزعوم إلا تجسيداً حقيقياً لهذا الانسلاخ والضحالة الفكرية والهشاشة العقلية التي مهّدت للأعداء والأشرار تنفيذ أجنداتهم الحقودة والمدمرة.

اليوم تزداد التحديات ويزداد تغوّل هذه الحملات التي لا تني ولا يتوقّف هدير حقدها عن محاولات اختراق مجتمعاتنا عبر وسائل التواصل العديدة، التي أتاحت لأفكارهم وأحقادهم التسلل بمكر ودهاء وخبث لشعوبنا عبر تكرار التجييش والتجنيد والاستقطاب لبث سمومهم وتنفيذ أجنداتهم، مستغلّين قدرة هذه الوسائل والوسائط العديدة في تجسير المسافات ونشر أكاذيبهم وترّهاتهم ووعودهم الكاذبة وشعاراتهم الزائفة.

لقد أبصر العالم بأجمعه كيف أن تلك الوسائل قضت على دول، وكادت أن تقضي على دول أخرى لولا لطف الله ثم انتباهة شعوبها وقادتها. وهي محاولات لن تقف ولن تضعف ما دام أن ثمّة عقائد ضالّة مضلّلة تدفع البعض لممارسة نزقه ومراهقاته الفكرية والسياسية، فعلى سبيل المثال نشهد بين آونة وأخرى استفزازات غير واعية من النظام الإيراني الذي ما زال يشكل مصدر تهديد إقليمي منذ نهاية السبعينات وثورة الخميني وحتى الآن؛ فهذا النظام لا يزال يتبنى سياسة دوغمائية براغماتية هدفها السيطرة على الإقليم، والتوسع عبر تصدير الثورة والفوضى والعنف والخراب، والذاكرة والواقع يحتفظان بسجل دموي وإرهابي لجرائم هذا النظام وخراباته التي سببها لأي دولة تورط فيها بتدخلاته وأذرعته من مرتزقة وميليشيات، ولعل آخرها اليمن، الذي يعاني خراباً من دعمه لناشري الفوضى والدمار فيه.

ومع تفاقم هذه الأخطار على دولنا بلا استثناء؛ تزداد أهمية التأكيد على دور الثقافة واستنبات الوعي وترسيخه وتسييج عقول شعوبنا به، وأن لا تسلم عقولها وقلوبها لأي فكر وافد لا يريد لوطنه إلا الخراب والدمار والفقر وضنك الحال.