ينقل السيد إيدي ساماني هذه القصة التي تحكي عن ولد صغير جلس على طاولة العشاء مع والديه. بعد يوم عمل مرهق ومتعب جاءت والدته ووضعت طبق بيض وسلطة وشريحة خبز توست. الأمر اللافت أن شريحة خبز التوست الخاصة بوالده كانت محروقة ومتفحمة. وبينما كان الولد الصغير ينتظر أن يستمع لوالده يتذمر ويتشكى من خبزه المتفحم استغرب منه وهو يبتسم ويأكل طعامه بهدوء. فما كان من والدته إلا أن كلمت زوجها قائلة: "أعتذر منك يا عزيزي لأنني حرقت الخبز الخاص بك! سامحني!"، فأجاب الوالد والبسمة تعلو محياه:"لا عليك يا عزيزتي! فأنا أعشق أكل التوست عندما يكون محروقاً!". في تلك الليلة وعلى فراش النوم سأل الولد الصغير أباه: "لماذا فعلت ذلك؟ لماذا لم تعترض على التوست المحروق؟"، قام الوالد واحتضن ابنه وقبل جبينه قائلاً: "ولدي الحبيب، أمك جاءت منهكة بعد يوم عمل طويل وتحاملت على نفسها لتصنع لنا هذا العشاء. لماذا عليّ أن ألومها وأجرح مشاعرها؟ الخبز المحروق لن يجرح أحداً، لكن الكلمات قادرة على أن تجرح الناس!".

هذه القصة على بساطتها عميقة جداً في الدروس التي تقدمها للقياديين وكيفية تعاملهم مع أخطاء من يعمل معهم وتقدير الظروف المحيطة. من السهل جداً على أي مسؤول أن ينفجر غاضباً ويجرح من أمامه بالكلمات ويسيء إليه بحكم قوة سلطاته. ولكن هل هذه هي الطريقة الصحيحة فعلاً؟

من المهم أن لا يُساء فهمي بأنه لا ينبغي للقائد أن يغضب. بالعكس فالغضب المحسوب مطلوب بل وواجب أحياناً. والسكوت عن بعض الأخطاء إساءة إلى المخطئ وإلى المنظومة إذا لم يتم معالجتها والتعلم منها. وقد يفهم منها ضعف وخلل في القائد إذا لم يتعامل بحزم وصرامة معها.

واستشهد هنا بحديث السيد شيميزو شينجي عضو مجلس الإدارة الأسبق في شركة توئي أنيمشين عندما كان يحدثني بكل تقدير عن مديره الأسبق السيد تاكامي يوشيؤو. يقول عنه بأنه تعلم منه أحد أهم الدروس القيادية في مسيرته المهنية وهي أنه عندما يخطئ الموظف ويستدعي الأمر توبيخه والغضب عليه فليكن ذلك عندما يكون الموظف بمفرده. ولكن عندما يبدع الموظف ويقوم بعمل استثنائي وتحقيق الأهداف فلا بد من مدحه وشكره أمام الجميع.

وأذكر كلمات لأحد الأصدقاء اليابانيين من مديري الشركات والذي تحدث عن فلسفته في التعامل مع أخطاء موظفيه بأنه لا يجامل في النقد والتوجيه على أن يكون بشكل بناء ولا يتضمن أي إساءات شخصية أو تجريحاً على أن تكون في وقت حدوث المشكلة دون تأخر. ويحرص بعدها بفترة على الجلوس مرة أخرى مع الموظف والتعامل معه بشكل طبيعي للتأكيد أن النقد كان تجاه مشكلة بعينها وليس فيها أي شخصنة للأمور وأنه سيظل داعماً لنجاح ذلك الموظف.

وهنا قد يتساءل البعض، ماذا أصنع كمدير إذا فقدت أعصابي وغضبت وتعاملت بشكل سيئ مع أحد الموظفين؟ في رأيي أن عليك أن تمتلك الشجاعة الكفاية لتعتذر عن الخطأ في الأسلوب مع التأكيد على ضرورة معالجة المشكلة بهدوء وعقلانية. ولن يكون في هذا أي انتقاص من قدرك ومكانتك كمدير أو قائد، بالعكس فأنت بذلك تصنع قادة من بعدك سيحسنون التعامل مع مرؤوسيهم ومع زملائهم وستكون محل احترام وتقدير من فريقك. وقبل ذلك كله، فاليوم إذا سمحت لك الظروف وقوة سلطتك ومنصبك أن تتجبر على المرؤوسين الضعفاء دون خوف من حسيب أو رقيب، فتذكر يوم الحساب ووقفتك ذليلاً أمام العزيز الجبار. وباختصار شديد، قوتك كقائد ليست في أن تنفجر غاضباً وتجرح من حولك، بل قوتك الحقيقة في أن تغضب في الحق وبحلم وحزم. اغضب بطريقة تبني فيها الآخرين وتمكنهم وتجعلهم يقولون لك ولو بعد حين: "شكراً لأنك غضبت علي وأرشدتني إلى طريق النجاح!".