كنت في زيارة للبلد، كما نسميها نحن سكان جدة أو جدة التاريخية كما هو متعارف عليه الآن، حيث وصلني إيميل عن المعرض المقام في رباط الخنجي الصغير بمناسبة انتهاء الدورة الأولى من الإقامة الفنية الذي تقوم به وزارة الثقافة.

زيارتي للبلد كانت بعد غياب حوالي سنتين عن هذه المنطقة، أزور البلد دائماً، فهي إحدى المناطق الباهرة في جدة، أو أنها أكثر المناطق إبهاراً في جدة، وأنا طفلة كانت مكان التسوق والنزهة معاً، وحين كبرت ظلت مكاناً للتسوق والنزهة، وحين كبرت أكثر صار محزناً أن نمشي في الحارات القديمة، ننظر إلى البيوت التي كان يسكنها أكبر العائلات فنجد أطلال بيوت مقفلة، أو سكناً لعمال لم يعتنوا بها، كانت الحال مؤسفة لسنوات كثيرة، وكنا نشاهد ونتحسر ولا نعرف أين الخلل، لذلك، حين ذهبت هذه المرة، ورأيت مدى التغيير الذي طرأ على المكان، فرحت، هذا ما كنا نتمناه للبلد.

وأن يحدث أكثر من ذلك، أن تستضيف وزارة الثقافة مجموعة من الفنانين في برنامج إقامة فنية، يقيمون في فندق قريب من رباط الخنجي حيث يتوجهون يومياً للعمل على مشروعهم الفني الذي جاؤوا من أجله، كان نعم الاختيار، فالمكان يوحي ويلهم، وهذا ما يحتاجه الفنان.

برامج الإقامة الفنية هي برامج تعتمد على إخراج الفنان من محيطه الذي تعود عليه إلى محيط جديد، يستغل هذه الفترة لتجديد روحه والتفاعل مع روح مكان جديد، ولقاء فنانين وزيارة أماكن والتعرف على الناس المحيطين بالمكان، وليس أجمل من جدة التاريخية لإحداث ذلك، رأيت كيف أثر ذلك على الفنانين المشاركين، غبطتهم، وقلت لنفسي، حتى وأنا ابنة جدة وأعرف المكان لكن الوجود اليومي في مكان كهذا، ومشاركة فنانين ذوي توجهات مختلفة والتحدث إلى الناس المحيطين، والقيام بزيارات فنية إلى أماكن مختارة في جدة، كم سيكون ذلك مثرياً وعميق الأثر على أي فنان.

ثلاث دورات أخرى ستتم خلال بقية العام، الدورة الواحدة مدتها ستة أسابيع، تم الانتهاء من اختيار المشاركين في الدورة الثانية والثالثة، التسجيل في الدورة الرابعة مازال قائماً. أنا فخورة وسعيدة وممتنة لوزارة الثقافة لأنها تنفذ هذه الفكرة الرائعة، أتمنى أن تستمر، أن يتم الإعلان عنها بشكل أكبر. أعرف أن الدورة انتهت منذ أيام قليلة لكن أتمنى أن أشاهد تغطية أكبر لما حدث وكيف يحدث، وأتمنى أن أشاهد نبذة عن كل فنان شارك وعن نتائج مشاركته في موقع إقامة فنية في الإنترنت، أتمنى أن تغطي القنوات التلفزيونية هذه الأنشطة ليس فقط عن طريق خبر سريع مدته دقيقة أو اثنتان، الفعالية تستحق، جدة تستحق، وكل عشاق الجمال يستحقون أن يعرفوا أكثر.