عندما كتبت وتكلمت تلفزيونيا عن تسيب بعض الأطباء الحكوميين ومخالفتهم للأنظمة بترك عياداتهم وعملياتهم نهارا جهارا والذهاب لمستشفيات خاصة تغريهم بحفنة ريالات، كتبت وتكلمت لأنني كنت أرى آثار ذلك التسيب على مرضى المستشفيات الحكومية في شكل فوات مواعيد لعدم حضور الاستشاري، بل فوات عمليات ضرورية (منقذة للحياة) لأن الاستشاري يجري عملية (تجميل) في مستشفى خاص، وكنت جازما، وبالاعتماد على أرقام الأخطاء الطبية، أن سبب زيادة تلك الأخطاء ونتائجها الوخيمة من وفيات - رحمهم الله - أو خسارة منافع وقدرات، سببه الرئيس انشغال الأطباء الذين يهربون من دوامهم في الحكومي للخاص واستعجالهم وعدم اطلاعهم على ملف المريض وفهم حالته كما تتطلبه منهم الأمانة.

اليوم، وبعد حقبة من التسيب، شمل حزم وعزم سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية ولي عهده الأمين هذا التسيب برياح الإصلاح الشامل ومحاربة الفساد - كل فساد - ومعالجة أوجه القصور والتقصير - كل تقصير - فوافق مجلس الوزراء على ضوابط السماح للممارسين الصحيين بالعمل في القطاع الخاص خارج وقت الدوام الرسمي، وهي ضوابط محكمة وشاملة تضمن قيام الطبيب الاستشاري بواجبه في المستشفى الحكومي على أتم وجه يستفيد منه مريض المستشفى الحكومي بما يليق بما يقدمه الوطن للأطباء من أجور عالية وبدلات مجزية وتليق بما تهدف له الرؤية من الرقي بالخدمات وجودة الحياة وتحقيق أعلى درجات الأداء الوظيفي والالتزام بالأنظمة.

كتبت سلسلة تغريدات عن أبرز الضوابط في ذلك السماح، ومنها ربط رخصة السماح بمنصة إلكترونية دقيقة لا يسجل فيها إلا من أيدت جهته الحكومية قيامه بالنصاب الحكومي وتحقيقه جميع الأهداف المطلوبة منه في عمله الأساسي من حيث الانضباط والجودة والإنتاجية وتحديد مقر عمله في القطاع الخاص وساعات العمل فيه، وأنها خارج وقت الدوام الرسمي وتقنين حد أعلى لساعات العمل في الخاص، وأنها لا تتعارض بأي حال مع عمله الرسمي في الحكومي، وتطبيق نظام مراقبة إلكتروني لهذا السماح يعاقب من يخالفه سواء الممارس الصحي أو مقر عمله في القطاع الخاص، ومن المؤكد أن جهته الحكومية تشترك في المسؤولية عما يخصها في أمر الالتزام.. وغرد معالي وزير الصحة الأستاذ فهد الجلاجل عن تلك التراخيص التي تضمن الالتزام بضوابط تحقق سلامة المرضى والأداء العالي في القطاع العام والحكومي.

وليس أدل على شمولية ودقة تلك الضوابط وإحاطتها بجميع جوانب تلك القضية من أنها لم تترك عذرا لأحد ولا ثغرة تستغل، فحتى لو تعذر الاستشاري بأن المستشفى الحكومي الذي يعمل به لا يحتوي ما يمكنه من القيام بالنصاب المطلوب فإن عليه أن يكمل النصاب في مستشفى حكومي آخر ليحصل على رخصة السماح بالعمل في الخاص خارج وقت الدوام، فالحمد لله ثم شكرا ملك الحزم والعزم - حفظك الله وأمد في عمرك - وشكرا لولي العهد صاحب الرؤية الشاملة، وتقدير بالغ لوزارة الصحة ولهيئة الخبراء التي درست هذا الأمر بعناية وهمها مصلحة الوطن والمواطن والمقيم، والشكر موصول لهيئة مكافحة الفساد التي أعلم أنها أولت اهتماما بالغا بما كتبته عن هذا الموضوع.