يُروى أنه كان هنالك عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في إحدى الوزارات الحيوية في الاتحاد السوفيتي. وظل ذلك العميل لسنوات يمارس مهامه المطلوبة منه حتى تم اكتشافه والقبض عليه. استغرب المحققون السوفيت مع ذلك العميل أنه لم يسرب معلومة واحدة للأمريكان. وعندما سأل المحققون السوفيت ذلك العميل: "ما طبيعة الأنشطة التي نفذتها طيلة السنوات الماضية لصالح الحكومة المعادية؟"، فأجابهم: "كانت مسؤوليتي هي هدم هذه الوزارة الحيوية وإضعافها لأقصى درجة! وقد نجحت في تنفيذ مهمتي بامتياز!". استشاط المحققون السوفيت غضباً وسألوا مرة أخرى: "كيف فعلت ذلك وأنت لم تجند أي شخص ولم تتمكن من تسريب أي معلومة؟"، فضحك العميل وأجابهم: "صحيح! ولكني قمت بما هو أخطر من ذلك، فطيلة السنوات الماضية ومن خلال عملي في إدارة الموارد البشرية حرصت على أن يتم تعيين الأشخاص الفاشلين وغير المؤهلين في المناصب القيادية في تلك الوزارة..".

قد يتساءل البعض هنا: ما الذي يترتب على تعيين مديرين فاشلين في أي منظمة؟ في الواقع ما قام به الجاسوس الأمريكي في الوزراة السوفيتية يعد أمراً مرعباً بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك لأن المدير الفاشل يعرف في قرارة نفسه أنه غير مؤهل، أو يظن أنه يعرف كل شيء فيعمل مباشرة على البحث عن أمجاد شخصية تضمن تلميعه وإبراز صورته. نتيجة لذلك تتجه جهود المنظمة وتركيزها إلى الصراعات الداخلية ويتم استهلاك الموارد المالية والبشرية في مشاريع للأغراض الإعلامية وأمور عديمة الفائدة بدل الابتكار والنمو والتحول الاستراتيجي. أضف إلى ذلك، فالمديرون الفاشلون يرفضون تعيين أي كفاءات يمكن أن تهددهم ويحرصون على تعيين تابعين ضعفاء لا يملكون الشجاعة لطرح رأي مخالف وكل ما يجيدونه هو تنفيذ أوامر المدير الفاشل. ويمكن أن تتخيل كيف سيكون مصير المشاريع المختلفة تحت قيادة إدارات ضعيفة وموظفين غير قادرين.

ما الحل إذن؟ أتذكر أن من أول الدروس التي تعلمتها في الهندسة الصناعية في جامعات اليابان أن الهدف النهائي لعملية التصنيع هو ضمان جودة المنتج. وفي الماضي كانت المصانع تركز على فحص المخرجات النهائية في خطوط الإنتاج واستبعاد المنتجات التي بها أي مشكلات أو عيوب بحيث تضمن وصول المنتجات السليمة والجيدة فقط للسوق. ولكن تغيرت النظرة لاحقاً، بأنه بدل التركيز على المخرجات النهائية فمن الأولى الاهتمام بالمدخلات من البداية ومعالجة الخلل من المراحل المبكرة في المصنع بما يضمن لاحقاً تقليل المشكلات إلى الحد الأدنى.

ولتبسيط المسألة في إدارة التوظيف، فبدل التعامل لاحقاً مع الموظفين أصحاب الأداء السيئ أو المديرين الفاشلين فالأولى الاستثمار بشكل جيد في عملية التوظيف بحيث لا يتم تعيين سوى أشخاص أكفاء أو قابلين للتعلم وتطوير قدراتهم ولديهم الشغف والمسؤولية مما سيقلل نسبة المشكلات لاحقاً بدرجة كبيرة. ويكفيك أن الإداري الفذ السيد جاك ويلش رغم المهام الكبيرة التي كانت عليه كرئيس تنفيذي، كان يقضي نصف وقته في عمليات التوظيف واختيار المسؤولين.

بكلمة أخرى، مهما كانت الاستراتيجيات احترافية ومتطورة، والاستثمارات كبيرة وضخمة، فستضيع هباء منثوراً إذا لم يتم اختيار قيادة صحيحة لديها الأمانة والكفاءة لتعمل مع فريق قوي ومتمكن.

وباختصار شديد، أفضل طريقة لهدم منظمة ناجحة هو تعيين مسؤول فاشل!