شهر رمضان يعطي العالم فرصة للتأمل والعبادة، ومحاولة إعادة التوازن النفسي للأرواح العطشة، والتي أرهقتها الحياة المعاصرة بصراعاتها المتعددة.. لقمان الحكيم يوصي ابنه بالقول: (يا بني إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة)، وفي عهد البطالمة كان أطباء مدينة الإسكندرية الكوزمو بولتنية ينصحون مرضاهم بالصوم تعجيلاً بالشفاء، لذلك وجدنا الطبيب والمفكر البريطاني (ألكيس كارليل) صاحب كتاب (الإنسان ذلك المجهول)، والحائز على جائزة نوبل في الطب، يكتب قائلاً: (إن كثرة وجبات الطعام ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس الحيوانية، وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، لذلك كان الناس يصومون على مر العصور).

وكذلك البروفيسور (نيكولاي بيلوي)، الروسي الأصل في كتابه (الجوع من أجل الصحة) سنة 1976 يقول: (على كل إنسان - خصوصاً سكان المدن الكبرى - أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 إلى 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته). وفي الغرب الأميركي نجد الدكتور (ماك فادون) وهو من أشهر الأطباء العالميين الذين استخدموا الصوم في علاج كثير من الأمراض، ويرى أن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض، وتثقله ويقل نشاطه، فإذا صام تخلص منها وشعر بالنشاط والقوة.

لم يكن الفراعنة وحدهم من دعوا إلى الصوم؛ ففي توقيت مشابه فعل أطباء اليونان الأمر عينه، فقد لجؤوا إلى الصوم لمعالجة مرضاهم الذين استعصى مرضهم على العلاج بالوسائل العادية، وفي القرن الخامس عشر قام (لودفيفو كورنا) الطبيب الإيطالي الشهير باستخدام الصوم في معالجة العديد من الأمراض المستعصية، وجرب ذلك على نفسه شخصياً وعاش حوالي مئة عام بصحة جيدة، بعد أن كان يعاني من أمراض عضال، وألف رسالة في المعالجة بالصوم تحت شعار (من يأكل قليلاً يعمر طويلاً).

ومع تقدم العلم يكتشف العلماء كل يوم فوائد الصيام، فعلى سبيل المثال ما نشرته المجلة الأميركية American Journal of Clinical Nutrition عام 1993، حين أشارت إلى أن صوم رمضان يخفض نسبة الكوليسترول الضار، وقد تمت الدراسة على 24 متطوعاً سليماً، وتبين أن الكوليسترول المفيد ارتفع بنسبة 30 % في نهاية شهر رمضان. ويقوم الصيام بتخليص الجسم من السمنة (الدهون) بواسطة التحليل الغذائي للدهون (لتوليد الطاقة أثناء الصيام) عندما تنضب مخازن الجليكوجين أثناء الصيام لتوليد الطاقة اللازمة للجسم، وتستخدم الدهون المختزنة في الجسم، كمصدر ثانٍ لتوليد الطاقة بعد المواد الكربوهيدراتية.

لاحظ المراقبون أيضاً أن هناك أثراً إيجابياً آخر للصيام يتجاوز التأثير الجسدي، أي يتصل بالنفس والروح؛ فالعديد من الأبحاث التي جرت من قبل الأطباء النفسيين ذهبت إلى أن الصيام فرصة عظيمة لتقوية الإرادة، لأنها سلاح فعال في مواجهة الاكتئاب، القلق، الوساوس المرضية، وغيرها من الأمراض النفسية.

والذي يميز هذا الشهر المبارك هو المشاركة العامة بين الأفراد في تنظيم أوقاتهم بين العبادة والعمل، في فترات محدودة، وتخصيص أوقات موحدة يجتمعون فيها للإفطار، وللفلاسفة الغربيين وجهة نظر في صوم رمضان بنوع خاص، إذ يؤكد الفيلسوف الألماني (جيهاردت) أن (الصوم أساس راسخ في تقوية إرادة الإنسان)، وذهب إلى أنه الوسيلة الفعالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد، فيعيش الإنسان مالكاً زمام نفسه لا أسير ميوله المادية.