يقول المثل الياباني:"يسقط مثل الساكورا"، وهو كناية عن أزهار الكرز ذات اللون الوردي والتي تكتسي بها طرقات اليابان في مطلع شهر أبريل من كل عام حيث تتساقط أوراقها بشكل جميل وفي منظر خلاب يسر الناظرين. والمقصود بهذا المثل أنه من الجميل أن ينهي الإنسان حياته بشكل جميل يتذكره الناس بخير كأوراق أشجار الساكورا التي سرعان ما تختفي ولا تتفتح إلا بعد عام كامل.

وقت عملي الدبلوماسي في اليابان قبل عدة سنوات، كنت أتعامل مع السيد أونو كوئيتشي من جامعة كيوتو. كان الرجل متعاوناً ومتحمساً حتى استطعنا بالعمل سوياً تنظيم عدد من ورش العمل بين جامعته والجامعات السعودية في البلدين وانطلقت بعدها مشاريع بحثية مشتركة. تفاجأت بالرجل بعد فترة يبلغني أنه قرر الاستقالة من عمله. وعندما سألته عن سبب القرار المفاجئ تبين أنه أصيب بورم خبيث يتطلب منه جلسات علاجية طويلة يتعذر معها القيام بالعمل في جامعة كيوتو على أكمل وجه. ومع ذلك وحرصاً على استغلال وقته فقد قرر التوجه للعمل الخيري لمساعدة الطلاب والباحثين في الدول الفقيرة بتوفير منح دراسية لهم ومنح بحثية ليقوموا بمشاريعهم في الجامعات اليابانية. من آخر كلماته لي: "إذا كان الإنسان منا كحال السيارة، فأنا لا أريد أن أكون كتلك السيارة التي تتعطل كل فترة وتستهلك الكثير من المصاريف والوقت لإصلاحها، بل أفضّل أن أكون كالسيارة التي تعمل بأقصى طاقاتها إلى آخر يوم وينطفئ محركها للأبد مرة واحدة...". لم يعش السيد أونو بعد هذا اللقاء لفترة طويلة، لكنه ظل رمزاً للعطاء لآخر أيام حياته وغادر هذه الدنيا كما تسقط ورقة الساكورا.

وفجعت مؤخراً بوفاة الصديق أ.أحمد الحفظي -رحمه الله-، والذي كان يعاني من مرض عضال منذ طفولته جعله طريح الفراش، ولم يكن يستطيع سوى تحريك إصبعه. ومع ذلك فقد كان يتحدى المرض والصعاب ويبدع برسم الشخصيات ويشارك في المسابقات المختلفة ويحقق الجوائز حتى إن اليابانيين أعجبوا بمستوى رسوماته. كان رحمه نشيطاً في مواقع التواصل للتعريف بتحديات المرضى ودعم الشباب المبدعين وتشجيعهم. كان -رحمه الله- يتضايق من التقارير التلفازية التي تعرف به باستخدام خلفيات موسيقية حزينة. كان يقول إن رسالته في الحياة ليست البحث عن الشفقة والحزن من الآخرين، بل في تحفيزهم وإلهامهم.

في الواقع، في الوقت الذي يستلهم فيه الكثير من الأشخاص الشجاعة والصبر من شخصياتهم الخارقة المحبوبة وأبطال الأعمال السينمائية، كان أخي وصديقي أ.أحمد الحفظي -رحمه الله- هو مصدر الإلهام والتشجيع لي في عز الأوقات الصعبة والأزمات. تعلمت منه كيف يظل المرء مبتسماً صبوراً مثابراً دون استسلام للظروف أو انهزام للقلق والخوف. تعملت منه كيف تكون الثقة بالنفس وحسن الظن بالله. رحم الله أخي وصديقي وبطلي الذي علمني الكثير.. الأستاذ أحمد الحفظي.

وأختم بالمثل البولوني: "من أبدع في حياته، يموت مبتسماً".