من مفاخر حضارة العرب والمسلمين العلامة عبدالرحمن بن خلدون، واضع علم الاجتماع في مقدمته الشهيرة التي شملت أيضًا الثقافة والسلوك والفنون والآداب والاقتصاد، وقد استفاد منها علماء الغرب وجامعاته وأهل السياسة فيه، واستشهد بآرائه الصائبة كثيرون، منهم الرئيس الأمريكي السابق ريجان.. وقد كتبت عن ذلك مفصلًا في وقتها بعنوان (بين ابن خلدون والرئيس ريجان) والمقال موجود في كتابي (رؤية إسلامية)المطبوع سنة 1986ص 7-17.

ومما أورده ابن خلدون عن الاجتماع قوله: […كلما كان العمران أكثر كانت الحضارة أكثر..وإفراط الحضارة والترف مُفسِداتٌ في المدينة على العموم، فيموج بحر المدينة بالسّفَلَة من أهل الأخلاق الذميمة، ويجاريهم فيها كثير من الناشئة ومن أُهمِلَ عن التأديب..] مقدمة ابن خلدون ص732 باختصار.

ورأينا مصداق هذا في العشوائيات التي تمت إزالتها في مدينة جدة، ولها أشباه أشد وأنكى في مدن العالم الأخرى.

يقرر ابن خلدون أن تكاثر الناس وزيادة الترف وبريق قشور الحضارة تزيد عدد (السفلة) هذا التعبير الحرفي الذي ذكره العلامة ابن خلدون يعني المتجردين من كل خلق كريم، ويكون تأثير هؤلاء الفاسدين قويًا على الناشئة لأنهم يستهويهم حب الشهوات ويجهلون العواقب المدمرة لذلك الهوى، يلتقي أبو العلاء المعري مع ابن خلدون فيقول: (إذا كثُر الناس شاع الفساد كما فسد القول لما كثُر) وتقرير العلامة ابن خلدون قد ينطبق على ما يحصل في كثير من وسائل التواصل الاجتماعي فهي أكبر مدينة في العالم والتاريخ، ما جاء في بحارها الهائلة مختلف الكائنات واختلط في مساكنها الصالحون مع الفاسدين، وإن كنا نرى الصالحين أكثر، والحمد لله، لكن تأثير الفاسدين، رغم قلتهم أكبر بكثير، لأنهم جهروا بفسادهم وجملوا القبيح في عيون المراهقين، واستعرضوا، على مرأى من الجميع ومسمع، أجسادهم وبذيء ألفاظهم وتكسبوا بها، وصوّروا ما نالوا مقابل ذلك الانحطاط من مال وقصور وساعات وسيارات فاخرة وجواهر مع مبالغات صارخة في ذلك وكذب بواح وجهر بالانحطاط والفساد… تأثير هؤلاء على كثير من الناشئة خطير جدًا، ولا بد من ردعهم بقوانين صارمة تحافظ على الأخلاق والذوق العام، وتكافح الفساد السلوكي والانحطاط.