الأدباء في كثير من الأحيان لهم قدرة على فهم فلسفة الدين؛ ففي مقالين قديمين شبه مجهولين، عن حكمة الصوم في رمضان، كتبهما عباس العقاد (1889-1964)، ونجيب محفوظ (1911-2006)، نُشر الأول في مجلة الهلال عام 1955، والثاني بصحيفة "الجمهورية" 1957.

ففي عدد رمضان، مايو عام 1955 من مجلة "الهلال" المصرية، كتب الأديب عباس العقاد مقالاً يقول فيه عن رمضان: "ميزة رمضان أنه فريضة اجتماعية مع فرضه على أحاد المكلفين، فهو موعد معلوم من العام لترويض الجماعة على نظام واحد من المعيشة، وعلى نمط واحد من تغيير العادات، وليس أصلح لتربية الأمة من تعويدها هذه الأهمية للنظام، ولتغيير العادات شهراً في كل سنة، تتلاقى فيه على سنن واحدة في الطعام واليقظة والرقاد، وبما يستتبع ذلك من أهمية الجماعة كلها لهذا الشهر خلال العام".

وفي موضع آخر في نهاية المقال يقول العقاد: "إذاً الإرادة هي فضيلة الفضائل في الصيام، ومتى عرفت هذه الحكمة فآداب رمضان كلها محصورة في معناها. وليس من أدب رمضان أن يململ الصائم أو يتجهم كأنه مكره عليها مطيع لها بغير رضاه. وليس من أدب رمضان أن يقضي صيام نهاره في النوم تاركاً الطعام، وليس من أدب رمضان أن يفرط الصائم في الطعام والشراب بعد غروب الشمس حتى موعد الإمساك، وليس من أدب رمضان صيام المريض معرضاً نفسه للتهلكة إذا كانت لا تجب الفريضة عليه".

أما نجيب محفوظ فقد تأثرت كتاباته بشهر رمضان مثل "الثلاثية"، التي كتب تفاصيلها من ذكرى طفولته، حيث كان يعيش في حارة الوطاويط قرب مسجد الإمام الحسين، لكنه لم يكتب أي رواية له في رمضان، حيث كان يستغل هذا الشهر في الاستمتاع بالأجواء الروحانية، وقراءة الكتب في المجالات المختلفة مثل الكتب الدينية والفلسفية، والشعر الصوفي، خصوصاً في الفترة ما بين صلاتي العصر والمغرب، وكان يقول: "قراءة الشعر الصوفي في حالة الصيام تجربة فريدة".

محفوظ كتب مقالاً في صحيفة الجمهورية في أبريل 1957 تحت عنوان "الصيام طاعة ومحبة لله" قال فيه: "قالوا لي في حكمة الصيام إنه فرض على المؤمنين ليخبروا في أنفسهم آلام الجوع فتنعطف قلوبهم نحو الفقراء، وأنه وسيلة تربوية لشحذ الإرادة، واعتياد الصبر، وأنه سبيل إلى تهذيب نوازع النفس وتطهير الروح، كل هذا حق، غير أن المؤمن لا يقبل على الصيام لداعٍ من هذه الدواعي بقدر ما يقبل عليه طاعة لله ومحبة فيه، وهو يجد في هذا السعادة دون تعليل أو تأويل، وطاعة الله ومحبته تقتضيان واجبات روحية لعلها أخطر من الصيام نفسه.

فأول هذه المبادئ التوحيد أو تحرير الروح من عبادة أي شيء أو أي شخص، ومن المبادئ روح التضامن في المجتمع الإنساني التي جعلت للفقير حقاً في مال الغني معالجة بذلك الفقر ومشكلاته وعواقبه، ومنها الدعوة الحقة إلى الأخوة الإنسانية دون تفرقة بين أسود وأبيض، أو أصفر وأسمر إلا بالإيمان بالله والإنسان، ومنها التسامح الديني الذي جعل من بلاد الإسلام في العصور المظلمة الموطن الوحيد الذي لا يلقى فيه الإنسان اضطهاداً".

ويختم محفوظ مقاله قائلاً: "أخيراً وليس آخراً؛ وعلى ضوء هذه المبادئ ينبغي لنا أن نحاسب أنفسنا، وأن نسائلها عن موقفنا الحقيقي من الدين الذي نؤمن به والله الذي نعبده".