ابتعاث قادة المستقبل ورواده إلى أفضل ثلاثين جامعة على مستوى العالم سيعزز المنافسة بين الطلبة، ويضمن استفادتهم من الدراسة في أفضل الجامعات العالمية. فإعداد قادة المستقبل هو الضامن الأكيد لاستمرار مسيرة التقدم والبناء، فبناء الأوطان بحاجة إلى أجيال من القادة الأقوياء..

الابتعاث إلى جامعات الدول المتقدمة من أهم المشروعات الحضارية التي تبنتها المملكة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم. والهدف من الابتعاث ليس اكتساب المعارف فقط، لكنه يمثل نقلة ثقافية وحضارية للطالب المبتعث متى ما أحسن استثمار ذلك.

في عهد الملك عبدالله -رحمه الله- تم ابتعاث عشرات الألوف من الطلبة والطالبات كل عام إلى معظم جامعات الدول المتقدمة. وقد أسهم هذا المشروع الحضاري في تحسين أوضاع الكثير من الأسر مادياً وعلمياً. وقد اطلعت عن كثب وبمبادرة منّي، ودعم وتشجيع من الدكتور عبدالله الموسى، المسؤول عن الابتعاث في وزارة التعليم العالي سابقاً، للتحدث مع المبتعثين في كل من نيوزيلندا وأستراليا وماليزيا، حيث أتيحت لي زيارة عشر جامعات في نيوزيلندا وعشرين جامعة في أستراليا، زرت كل الجامعات التي يوجد بها المبتعثون في تلك الدول وتحدثت مع المبتعثين. وبعد كل زيارة كنت أكتب تقريراً عما رأيته لوزارة التعليم العالي، وكنت أركز على ضرورة حسن اختيار المبتعث وتهيئته نفسياً ولغوياً، وأشرت إلى ضرورة الاستفادة من برنامج شركة أرامكو الناجح في الابتعاث، بدءاً بحسن اختيار المتقدمين، وحسب احتياج أرامكو، ثم تأهيلهم لغوياً وعلمياً قبل ابتعاثهم إلى جامعات مختارة بعناية، ثم المتابعة أثناء الابتعاث. واليوم أطلق ولي العهد، رئيس برنامج تنمية القدرات البشرية الأمير محمد بن سلمان مرحلة جديدة من الابتعاث، مدروسة بعناية، وبما يتواءم مع متطلبات رؤية المملكة 2030 وما تحتاجه من رواد وقادة وباحثين. ويعتمد البرنامج على ثلاث ركائز مهمة. الأولى: حسن الاختيار والتوعية والإعداد الجيد، والركيزة الثانية: تعزيز تنافسية المملكة محلياً ودولياً من خلال الابتعاث لأفضل المؤسسات التعليمية، وللمسارات التي يتطلبها سوق العمل المحلي والعالمي. والركيزة الثالثة هي: المتابعة والرعاية اللاحقة للمبتعثين من خلال الإرشاد وتطوير الخدمات المقدمة لهم أثناء ابتعاثهم.

وسيوجه الرواد لأفضل ثلاثين جامعة في العالم حسب تصنيف الجامعات المعتمدة عالمياً. والمسار الثاني للبحث والتطوير والابتكار، وهذا مخصص لطلبة الدراسات العليا، ويبتعثون لأفضل جامعات العالم البحثية، ليصبحوا علماء المستقبل في المملكة. أما مسار "إمداد" فهو لتلبية حاجات سوق العمل بالكفاءات المطلوبة ويبتعثون للأفضل 200 جامعة. والمسار الأخير هو "واعد" ويكون الابتعاث للمجالات الواعدة حسب المتطلبات الوطنية والمشروعات الكبرى.

وحين ننظر إلى هذه المرحلة من الابتعاث نتفاءل كثيراً للأسباب الآتية:

أولاً: ابتعاث قادة المستقبل ورواده إلى أفضل ثلاثين جامعة على مستوى العالم سيعزز المنافسة بين الطلبة، ويضمن استفادتهم من الدراسة في أفضل الجامعات العالمية. فإعداد قادة المستقبل هو الضامن الأكيد لاستمرار مسيرة التقدم والبناء، فبناء الأوطان بحاجة إلى أجيال من القادة الأقوياء والحالمين والمسلحين بالعلم من أفضل مصادره.

ثانياً: مسار البحث والتطوير من أهم المسارات التي تتطلبها المرحلة الحالية والمقبلة، فالبحث والتطوير والابتكار أهم روافد الاقتصاد الحديث، ويحاط بسرّية تامة من قبل الحكومات والشركات المصنعة. ولكل بلد احتياجاته التي تختلف عن البلدان الأخرى، فالمملكة بحاجة إلى أبحاث الطاقة الأحفورية والمتجددة، وأبحاث تحلية المياه، واستخدام المياه المالحة لمكافحة التصحر والزراعة والتشجير. إضافة إلى الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والبرامج والمعدات المدنية والعسكرية، وبحاجة إلى خلق المزيد من الوظائف وتنويع مصادر الدخل. وأفضل الأبحاث هي التي يكون لها استخدامات متعددة في المجال العسكري والمدني.

ومع فرحي الشديد بهذا المسار إلا أنني كنت أتساءل: ماذا بعد عودتهم؟ هل سيجدون الدعم المطلوب للأبحاث؟ وهل سيفرغون للأبحاث والتطوير؟ أم سيكلفون بأعمال إدارية كما حصل للكثير من حملة الدكتوراة في الماضي والحاضر؟. وقد طمأنني معالي المهندس عبدالله السواحة في حديث خاص إلى أن الأمور تتغير للأحسن، وسيكون للبحث والتطوير نسبة ثابتة من مجموع الناتج المحلي. وأضاف: البحث والتطوير يحظى باهتمام كبير ودعم من ولي العهد، رئيس برنامج تنمية القدرات البشرية، وسيجد الباحثون كل ما يحتاجونه من إمكانات بشرية ومادية.

ثالثاً: كل ما سبق بحاجة إلى تعليم قوي ومميز، فهو الركن الأهم بعد القيادة لكل وطن ينشد التطور والوصول إلى نادي الدول المتقدمة، وأهم عناصر تقدم التعليم هو قائد المدرسة ومعلميها، أتمنى وجود مسار ابتعاث خاص بمن هم على رأس العمل للاطلاع على أفضل الممارسات في الدول التي لديها تعليم مميز مثل فنلندا ونيوزيلندا وأستراليا والدول الإسكندنافية وغيرها.

برنامج الابتعاث الذي أطلقه ولي العهد تم دراسته بعناية وسيؤتي أكله لدعم التنمية والاقتصاد وما تتطلبه الرؤية بإذن الله. المملكة تسير بخطى ثابتة لامتلاك القوة بكل مقوماتها.