تعلمنا عندما كنا طلاباً في المدارس أنه يجب على الواحد منا أن يكون كالشمعة التي تحترق لتضيء الطريق للآخرين، مقالة اليوم بعنوان "لا تكن كالشمعة".

قبل بضع سنوات، وبعد انتهاء مدة عملي الدبلوماسي كملحق ثقافي للسعودية في اليابان، كنت أتلقى عدداً من الدعوات لحضور حفلات التكريم والتوديع من المسؤولين والجامعات والشركات وفق تقاليد الثقافة اليابانية، وفي إحدى الجلسات تفاجأت بأحد أفراد الطاقم الأكاديمي في مؤسسة تعليمية يتحدث لي قائلاً: "اسمح لي أن أقول لك، لقد تغيرت ملامح وجهك تماماً، كنت دوماً تبدو متجهماً تفكر كثيراً تحمل حملاً ثقيلاً على كتفيك وكأنما انزاح كل ذلك عنك". في الواقع، ربما لم انتبه قبل تلك الكلمات للتغير النفسي الكبير الذي حصل لي وقتها، ولعل أحد الأسباب الكبرى هو كارثة الزلزال في منطقة توهوكو بقوة تسع درجات، والتي تزامنت مع موجات التسونامي وأزمة فوكوشيما بإشعاعاتها النووية، كلما ضرب زلزال في اليابان كانت مادة الأدرينالين تسري في عروقي، وأبدأ في استعادة ذكريات تلك الأزمة وخطة الإنقاذ للطلبة السعوديين وعوائلهم، التي استمرت لشهرين بين الهزات الارتدادية والجسيمات المشعة والضغط النفسي من المسؤولية عن أرواح الأبرياء. وبطبيعة الحال، فقد كانت المهمة تتخللها السعادة والفخر بخدمة المبتعثين والمساهمة في تطويرهم وتعزيز العلاقات الثقافية بين المملكة واليابان، ولكن تلك التجربة استمرت مضاعفاتها النفسية معي لسنوات.

واليوم، وأنا أفكر بهدوء وروية، استوعبت أن الأمر لم يكن يستدعي كل ذلك التوتر والقلق والتفكير المبالغ فيه، ولو رجع الزمن بي لحرصت أكثر على صحتي وهدوئي لأن ذلك في نهاية الأمر كان سيصب في مصلحة الجميع من حولي، فما تعلمناه من أن الإنسان الناجح يجب أن يكون كالشمعة ليس صحيحاً تماماً، ربما تتمكن الشمعة من أن تنير المكان لكن ذلك سيكون لفترة محدودة وستحترق الشمعة وتختفي ولن ترجع كما كانت، ناهيك عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن الاحتراق، وفي الوقت نفسه لا أنادي بأن يكون المسؤول مثل النار التي تحرق الحطب وتحيله رماداً لتبقى وحدها متوهجة ومشتعلة على حساب الآخرين.

أرى أن النموذج الناجح هو أن يكون القائد مثل الكشاف أو المصباح الكهربائي الذي يمكن إعادة شحنه أو تزويده بالكهرباء في أي وقت، وفي الوقت نفسه إضاءته أقوى وتستمر لأوقات قياسية مقارنة بالشمعة ولا ينبعث منه غازات سامة.

هذا الوضع مثل القائد الذي يشحذ المنشار ويعيد شحن طاقته ويعمل بشغف وإيمان بالرسالة في تنفيذ مهمته بعيداً عن الاحتراق الوظيفي والضغوط النفسية القاتلة التي لن تخدم القائد ولا من حوله. وباختصار، جميل أن يسخر القائد نفسه ويبذلها لتمكين ونجاح فريقه وصناعة الأثر الإيجابي في المجتمع، ولكن سيكون ذلك الأثر محدوداً ولمدة قصيرة إذا أحرق القائد نفسه وأهملها كما تحرق الشمعة نفسها، والأجمل والأفضل أن يكون هنالك توازن يضمن العطاء والبذل من القائد لفريقه وللمجتمع بشكل قوي ومستمر وفعال لمدة طويلة عبر العناية بصحته واستقراره وتجدد عطائه والاستثمار في تطوير قدراته فلكي تساعد الآخرين لا بد من أن تساعد نفسك أولاً. بكلمة أخرى، في عطائك للآخرين لا تكن كالشمعة، بل كن مثل الكشاف الكهربائي!