التصريحات المسيئة للإسلام (التي أبداها البابا بندكس السادس عشر) لم تثر سخط العالم الإسلامي فقط؛ بل وسببت انقساما داخليا صامتا بين أعضاء الفاتيكان نفسه. ففي حين وقف بعضهم في صف البابا رأى البعض الآخر أنه أدلى بتصريحات "غير مسؤولة" زادت من توتر العلاقات بين أتباع أكبر ديانتين على وجه الأرض.. ورغم اتفاق الجميع - داخل الفاتيكان - على صعوبة تخطئة البابا أو محاسبته علنا إلا أنهم يتهامسون سرا بإمكانية تجاهله أو إسقاطه من تاريخ الكنيسة ذاتها..

والإجراء الأخير تبلور خلال القرون الماضية لتجاوز الحرج الناجم عن الاعتراف - أو حتى الحديث - عن شخصيات دينية أساءت لسمعة الفاتيكان. فالمؤسسة الكنسية دأبت على تجاهل أسماء بابوية كثيرة اشتغلت بالمؤامرات والفساد وشن الحروب واستغلال السلطة. وحاليا تختفي من سجلات الفاتيكان أسماء دينية كثيرة (شغلت مناصب متفاوتة) في حين لا توجد غير تفاصيل رسمية مقتضبة عن أسماء أقل سوءا..

ومن الأسماء الأخيرة نذكر البابا يوحنا الثالث عشر (الذي انتخب عام 882) وكان أول بابا في التاريخ يتعرض للاغتيال والتسميم على يد الكرادلة أنفسهم. أما البابا فورموزا الأول فقد القي عليه التحريم الكنسي من قبل أحد أسلافه (يوحنا الثالث عشر) ولكنه نجح عن طريق الرشوة في إقناع الكرادلة بانتخابه حبرا أعظم بعد وفاته.. غير أن هذا الأمر لم يرق لخليفته إتيان الثالث عشر فأمر بنبش جثته ومحاكمتها علنا ثم حرقها أمام الناس (وهو تصرف أدى بدوره الى وفاة إتيان الثالث عشر متسمما).

أما ليون الخامس فكان من عائلة مديتشي الشهيرة اشترى المنصب البابوي من عام 1513إلى 1521بأمواله الخاصة. وخلال حكمه سمح بازدهار الفساد حتى أن منح الغفران الكامل وبيع أرض في الجنة تحول إلى سلعة توفر أكبر دخل للفاتيكان. أما البابا اوربانوس الثالث عشر (1623-1644) فقد طلب من المنجمين تزويده بالطالع الفلكي لكل كرادلة روما ليعرف من اقترب أجله ومن يجب التخلص منه لطول عمره!!

أما البابا الكسندر الحادي عشر فكان من عائلة بورجيا الشهيرة عرف باستغلال سلطته لجمع الأموال وتوجيهها لصالح عائلته - وفور استلام منصبه عين أبناءه العشرة وبناته الثلاث الذين ولدوا من عشيقات مختلفات في مناصب عالية في المجتمع الإيطالي ( في أواخر القرن الخامس عشر)!!

مثل هذه الأسماء البابوية لا تتحدث عنها سجلات الفاتيكان (بالتفصيل) كونها تضر بسمعة الكنيسة الكاثوليكية.. ليس هذا فحسب بل يصر الفاتيكان على إنكار وجود أربعة بابوات - على الأقل - أقدمهم البابا الانجليزي الأصل "جون أنجيلسيوس"..

فحوالي العام 827وصل "جون أنجيلسيوس" الى روما كمندوب للكنسية الانجليزية. وقد عرف بورعه وسعة عمله وانتسب بسرعة لمجلس الكرادلة في الفاتيكان. وحين توفي البابا ليو الرابع انتخب بالإجماع لمنصب البابوية (عام 853).. غير أن البابا الجديد سرعان ما أصيب بالمرض وانتفاخ البطن وكثرة الاستفراغ. وذات يوم وبينما هو عائد من مدينة سانت بيترس (برفقة كبار المسؤولين في الفاتيكان) طلب من القافلة التوقف جانبا ودخل وحيدا بين أشجار الغابة.. ورغم أنه طلب من مرافقيه عدم الدخول وراءه إلا أن بقاءه وحيدا في الغابة أثار قلقهم فدخلوا خلفه للاطمئنان عليه. وأمام دهشة الجميع وجدوا البابا قد انتهى للتو من ولادة طفل سليم يحاول إخفاءه تحت التراب.. وبسبب هذه الحادثة الغريبة أكتشف الجميع لأول مرة أن البابا أنجيلسيوس كان من الأصل امرأة تخفت بهيئة رجل طوال الستة والعشرين عاما الماضية..

والحرج هنا لم يكن فقط في وصول "امرأة" الى كرسي البابوية، بل وفي ارتكابها جريمة زنا أثناء ذلك ومحاولتها دفن الطفل حيا. وهكذا لم يجد الفاتيكان مخرجا غير إنكار وجود البابا جون الثامن (John VIII) وشطب اسمه تماما من كافة السجلات الكنسية!

Fahmadi@alriyadh.com