الأخلاق المزدوجة سمة من سمات هذا العصر الصعب الذي يتزايد فيه انفراد الأقوياء بتحديد ماهية المبادئ العالمية التي تتفق مع مصالحهم فقط، وبالتالي فلا معنى حقيقي لتحديد المعايير الأخلاقية التي يمكن أن يتفق عليها البشر..

في العام 2012م كتبت مقالاً حول سقوط الأخلاق في العالم المعاصر، تناولت فيه الأحداث المشتعلة في سورية وتغافل العالم عن هذه الأحداث، والحقيقة أنني كنت على يقين أنه لا يوجد ما يسمى بالأخلاق الواقعية بين شعوب العالم، وأن البشر جبلوا على العنصرية والانحياز، ووجدت أن كل ما ابتكره الإنسان من أنظمة دولية هو محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الأخلاق، التي لا يمكن أن تكون نابعة من ذات الشعوب إذا لم يكن هناك نظام يجبرهم على اتباع هذه الأخلاق. وفي العام 2016م، كتبت مقالاً آخر بعنوان "أخلاق الأقوياء وأخلاق الضعفاء"، وخلاصة المقال أن هناك سيولة في تفسير الأخلاق على المستوى الدولي، ومن يعتقد بوجود معايير أخلاقية غير منحازة فهو واهم، فالمسألة مرتبطة بمن تكون وكيف يمكن أن تُوصل رسالتك إلى هذا العالم الذي يريد أن يصدق ما يعتقده ويؤمن به حتى لو جانب اعتقاده الصواب. ربما يشعر القارئ خلال الأحداث الأخيرة في أوكرانيا بسقوط المتشدقين بالأخلاق في العالم الذي يدعي أنه متحضر، فالمعايير المزدوجة والانحياز العنصري يظهران وقت الشدائد عندما تبدأ ذهنية "أنا وابن عمي على الغريب".

من الجدير بالذكر، أن الغرب الذي يناقض مبادئه الأخلاقية هذه الأيام بشكل سافر، هو مبتكر فلسفة الأخلاق منذ كتاب أرسطو "الخلاق" الذي ظل كل هذه القرون مصدراً لهذه الفلسفة، لكن، على ما يبدو، أن الأخلاق ظلت داخل صندوق الفلسفة ولم تتحول إلى مبادئ على أرض الواقع إلا لدى البعض، بينما مارست الشعوب الغربية أبشع جرائم التصفية العرقية والإبادة للشعوب التي استعمرتها، بل وغضت الطرف عن كثير من الجرائم الإنسانية خلال العقود الأخيرة، طالما أن هذه الجرائم لم تهدد تخوم الغرب. نرى كيف انتفضت الدول الأوروبية، وامتلأت نشرات الأخبار بشعارات الحق والعدل والحرية وحق تقرير المصير، ليس لأن هذه الدول تؤمن بهذه المبادئ فعلاً، بل لأنها ترى نفسها الأقوى والأجدر بالبقاء والحياة، ولا بأس أن تعاني الشعوب الأضعف، التي يرونها أقل تحضراً، من الظلم والإبادة وضيق العيش. إنه عالم بلا أخلاق فعلاً.

ما أزعجني هو مشهد بعض الطلاب الهنود في أوكرانيا وهم يحاولون ركوب أحد القطارات الأوكرانية، وحرس الحدود يرفض إركابهم. يردد الطالب: "أرجوك"، لكن دون جدوى، مشهد يومي على مسمع ومرأى من أباطرة الأخلاق الغربية ومنظماتهم. في إيطاليا، في مدينة نابولي، يحتفي طلاب المدارس بأطفال وطلاب أوكرانيا اللاجئين، وطبعاً هذا المشهد يسعد الجميع، لو أن نفس هذا الموقف كان مع جميع اللاجئين. وزير الداخلية البولندي يفتخر بأنه لم يسمح لأي مسلم بأن يكون لاجئاً في بولندا، وهي دولة عضو في دول الاتحاد الأوربي، التي تنادى بالمساواة الإنسانية وعدم التفرقة بين البشر على أساس الدين واللون والعرق. شعارات، يستخدمها الأقوياء لفرض "أجنداتهم" ويوظفون تفوقهم التقني والعسكري والاقتصادي والإعلامي من أجل فرض هذه القيم المزيفة على العالم، لكنهم يتخلون عنها متى ما أرادوا ذلك.

في اعتقادي أن الأخلاق إذا لم تكن نابعة عن قناعة وإيمان، فستصبح مجرد شعارات. كنت أتحدث مع أحد الزملاء عن مأساة العرب والمسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492م، وخضوعهم لمحاكم التفتيش حتى تم طردهم كلياً في مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وكيف تم انتزاع أبنائهم الصغار وأجبروا الكبار على المغادرة. هذه صورة نمطية لأخلاق الغرب، الذي لم يستطع عبر تاريخه الإيمان بشعاراته حول المساواة بين البشر. بالطبع لن أدعي أننا كشعوب خارج هذا التصنيف غير الأخلاقي، لكننا لم نمارس في يوم إبادة أو طرد شعوب بأكملها. قد يكون بيننا المتطرفون والمنحازون، لكن تعاليم ديننا ارتكزت على أنه لا فرق بين إنسان وآخر إلا بالتقوى. الإشكالية الحقيقية هي أننا لم ندع أننا نملك زمام الأخلاق دون غيرنا من أمم العالم، ثم نمارس عكس ما ندعي. إنه لأمر محزن أن نرى انتفاضة الغرب عندما وصل الخطر عند تخومه ليناقض كل ادعاءاته وشعاراته بين ليلة وضحاها.

سيظل الأقوى هو من يفرض شروطه الأخلاقية التي قد تتبدل حسب مصالحه. الأخلاق المزدوجة سمة من سمات هذا العصر الصعب الذي يتزايد فيه انفراد الأقوياء بتحديد ماهية المبادئ العالمية التي تتفق مع مصالحهم فقط، وبالتالي فلا معنى حقيقي لتحديد المعايير الأخلاقية التي يمكن أن يتفق عليها البشر طالما أن فئة منهم يمكن أن تبدل هذه المعايير وتفسرها حسب الهوى. يمكن أن نتفق على ظاهرة "الانحياز الأخلاقي" التي باتت تميز عالم اليوم، وهي ظاهرة يستفيد منها الأقوياء فقط، فلا مكان في عالمنا للضعفاء.