تناقل الأخبار عن عزم المملكة والصين على استخدام اليوان كعملة مقابل النفط الذي تبيعه الأولى للثانية، ليس بالأمر الجديد. فهذا الموضوع طالما أثير فيما مضى أكثر من مرة. ولذلك تُضرب أخماس في أسداس عن الدوافع التي تقف وراء ذلك، وفيما إذا كانت اقتصادية أم سياسية. وعلى أية حال، فإن المملكة، وخاصة في إطار أوبك+ يمكنها أن تمضي قدماً في تنويع سلة عائداتها مقابل النفط الذي تبيعه في الأسواق العالمية، كلما نضجت الظروف لذلك. فالمملكة لديها الخبرة، باعتبارها أحد واضعي الأساس للبترو-دولار Petro-dollars بداية السبعينات من القرن المنصرم- ويمكنها أن تضع أساساً أخر بالاتفاق مع كبار مصدري ومستوردي النفط في العالم.

وبدون شك، فإن بيع النفط بالدولار قد أعطي للدولار روح جديدة، بعد قرار الرئيس الأمريكي نيكسون فصل الدولار عن الذهب، وما عقب ذلك من تدني قيمته الشرائية. والولايات المتحدة، تقدر موقف المملكة- حليفها الاستراتيجي الذي يمكن الاعتماد عليه في الأوقات الصعبة.

  ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن جرت مياه كثيرة، خصوصاً بعد سياسة التسهيل الكمي عقب أزمة الرهن العقاري عام 2008 وتفشي فيروس كورونا عام 2020، وما نجم عن ذلك من طباعة مليارات الدولارات غير المغطية، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار ليس فقط في العالم، بل وحتى في الولايات المتحدة، التي تملك الأدوات للتخلص من الفائض النقدي.

وهكذا اجتمع عاملان: الأول، اختلال المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، كعجز الميزانية والميزان التجاري والحساب الجاري وارتفاع الدين القومي إلى مستويات فلكية. مما أدى إلى ارتفاع التضخم بمستويات لم تشهدها أمريكا من قبل. أما العامل الثاني فهو وجود عملة شبه بديلة للدولار: هو اليوان الصيني، رغم تحفظ الصين، وعدم جاهزيتها لاستخدام عملتها خارج حدودها على نطاق واسع. ولكن اليوان الرقمي، قد يغير المعادلة.

من ناحية أخرى، فإن حجم التبادل التجاري الصيني مع العالم قد تخطى حجم التجارة الأمريكية العالمية. فالصين اليوم هي الشريك التجاري رقم واحد للكثير من بلدان العالم. كما أن حجم الناتج المحلي الإجمالي الصيني سوف يصبح هو الأكبر في العالم بحلول عام 2030. وهذا سوف يخلق المقدمات الضرورية لتحول العملة الصينية إلى عملة عالمية. فهندرة النظام المالي العالمي سوف تصبح خلال الفترة القادمة تحصيل حاصل. لأن وجود عملة وسيطة للتبادل التجاري الصيني مع بقية العالم له تكاليفه المالية.

من هنا، فإن المملكة التي تعتبر من أهم الشركاء التجاريين للصين، لا ترغب على ما يبدو في دفع تكاليف إضافية خلال تبادلها التجاري مع الصين. والكثير من أعضاء أوبك+ لديهم موقف مماثل. ولذلك، فإن البترو - يوان قادم قادم.