يقال إن شخصية الإنسان هي حصيلة الأناس الذين التقاهم أو تأثر بهم في مسيرة حياته. ولعل من الشخصيات التي تأثرت بها هي مدير جامعة طوكيو للتقنية الأسبق د. إيساؤو كاروبي، والذي رحل عن هذه الدنيا قبل أشهر قليلة، في مقالة اليوم أطرح عليكم ما الذي تعلمته من هذه الشخصية.

أولاً: طور معاييرك الخاصة للنجاح، أتذكر لدكتور كاروبي هذه الكلمات: "هل تعلم أنني أقضي وقتاً مع رؤساء الشركات أكثر من ذلك الذي أقضيه مع عمداء الكليات في جامعتي؟ السبب هو أنني حريص على أن أعرف ردة فعلهم ومرئياتهم عن الخريجين الذين وظفوهم من جامعتي". ويضيف قائلاً: "الخريجون هم المنتج الذي تقدمه الجامعة لسوق العمل، ومن مسؤولياتي كمدير أن أسعى لتسويق هذا المنتج، ومعرفة ما الذي تحتاجه الشركات من معارف ومهارات لأطور مناهجي، بحيث يمكن للخريج أن يحصل على وظيفة وينجح فيها". كان دكتور كاروبي يسعد كثيراً وهو يتحدث إليّ عن توظيف مئة بالمئة أو رقم قريب من هذه النسبة من خريجي الجامعة قبل تخرجهم. ورغم أن المنهجية المتبعة في كثير من جامعات العالم لا تجبر الجامعات على استثمار جهودها ووقت مديرها وموظفيها في قضية التوظيف بهذا الشكل الكبير إلا أن إيمانه بأن تعريف نجاح الجامعة لا يقتصر على التعليم ومنح الشهادات الأكاديمية، بل في تسليح الخريجين بمهارات وعلوم يحتاجها سوق العمل ومساعدة الخريجين على إيجاد وظيفة توفر حياة كريمة تبني مجتمعاً مستقراً واقتصاداً قوياً.

ثانياً: لا تخش التجارب الجديدة: تخرج كاروبي من جامعة طوكيو للصيد حيث كان حلمه أن يصبح بحاراً، ولكن كان عليه أن يتخلى عن هذا الحلم لأنه وجد نفسه يعاني بكثرة من دوار البحر، غير أن الرجل بدل وجهته بعد ذلك وبدأ الدراسة في مجال التقنية الحيوية، وأبدع فيها من مرحلة الماجستير بالمساهمة في براءة اختراع اشترتها شركة يابانية، ونشر بحثه في أعرق المجلات. اللطيف أن د. كاروبي ورغم أنه كان يتقلد منصباً مرموقاً في جامعة طوكيو العريقة، إلا أنه قرر أن يستقيل ويبدأ من الصفر في بناء جامعة طوكيو للتقنية كجامعة خاصة. وعندما سألته لماذا اتخذت هذه الخطوة؟ أجابني: "عندما كنت في جامعة طوكيو على شهرتها وعراقتها لم يكن لدي المجال لأتحرك بمرونة وأبدع وأبدأ بتجربة أشياء ومشروعات جديدة. بينما هنا أصبحت لدي القدرة أن أنشئ كليات جديدة في تخصصات لم تعرفها اليابان من قبل، وأبدأ مشروعات بحثية يحتاجها القطاع الصناعي".

ثالثاً: وفّر البيئة الداعمة والمحفزة: عندما نشر كاروبي أول أبحاثه العلمية في مرحلة الماجستير، تم قبول بحثه من دون تعديلات، وقامت هيئة التحرير اليابانية للمجلة العلمية بتصحيح جميع الأخطاء المطبعية والنحوية للورقة اللتي كتبت باللغة الإنجليزية، وذلك تقديراً من هيئة التحرير لمخرجات البحث ونوعيته. وتجد أن هذه التجربة انطبعت في شخصيته حينما كانت البيئة الجامعية التي وفرها لطلابه تعد من الأفضل على مستوى اليابان من حيث الإمكانات والتصاميم. وكان يحرص في كل عام على إقامة حفل خاص للطلبة السعوديين للاستماع لمشكلاتهم مباشرة وحلها وتحسين بيئة الدراسة لهم وبقية الطلاب.

رابعاً: احرص على التميز والأصالة: طور د. كاروبي أول مستشعر حيوي في العالم، وكان يعُرف أيضًا باسم "أبو المستشعرات الحيوية"، وطور أكثر من ثلاثين نوعاً منها. وكان شعاره في الحياة "الأصالة التي تصنع اختلافًا عن الآخرين"، ومن أهم كتبه التي نشرها (تحقيق الأصالة)، حصل الرجل على جائزة الكيمياء الأكاديمية اليابانية، وميدالية فخرية من الحكومة الفرنسية، وجوائز أخرى كثيرة.

وأخيراً، من كلمات د. كاروبي: "يحتوي الجينوم في الحمض النووي البشري على معلومات جينية تتعلق بالأمراض التي من المحتمل أن يعانيها الشخص، ويمكن تجنب مثل هذه الأمراض من خلال تناول وجبات مرتبة خصيصًا للمساعدة في منع الأمراض، أعتقد أن الإنسان لديه القدرة على العيش حتى 120 سنة، سيكون هذا حقيقة." ويتحدث في إحدى مقابلاته العلمية عن أبحاثه التي ستسهم في حياة صحية للبشرية: "ليس من الممتع أن يعيش المرء طويلاً وهو يصارع المرض، الكل يريد أن يعيش طويلاً بصحة وعافية، وأنا أقرأ هذه الكلمات تذكرت أبيات الشاعر محمود غنيم وهو يرثي صديقه الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي قائلاً:

يا حاملاً كأس الشفاء بكفه ... أتموت من ظمأ وأنت الساقي؟