أكثر من ثلاثة أسابيع والأزمة بين روسيا وأوكرانيا مازالت قائمة، ولعلها كانت ضرورية لإظهار واقع حقوق الإنسان في المجتمعات الغربية، فاللغة التي يستخدمها الإعلام الغربي في وصف معاناة الأوكران تنطوي على عنصرية وازدواجية لافتتين في المعايير، ولدرجة استخدام عبارات صريحة ومباشرة ترفض مقارنتها بأفغانستان والعراق وسورية، على اعتبار أن أهلها متحضرون ويشبهون الأوروبيين في أشكالهم وأسلوب حياتهم، والأعجب هو منع العرب والأفارقة والآسيويين من دخول بلغاريا وبولندا، رغم أنهم لجؤوا إليها من أوكرانيا نفسها، وموقف بريطانيا من الأزمة غير مفهوم، فقد خرجت من الاتحاد الأوروبي لأنها لا تريد المهاجرين إليها من أوروبا الشرقية.

الأمم المتحدة أقرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948، وفي هذا الوقت، كانت كل القارة الإفريقية ونصف القارة الآسيوية والمنطقة العربية وأميركا الجنوبية تحت الاستعمار الأوروبي، والثورة الفرنسية التي جاءت بأول ميثاق لحقوق الإنسان في 1789، قامت بعد ذلك بقتل آلاف المتظاهرين ضدها، واستعمرت دولاً في أوروبا وشمال إفريقيا، حتى إن الرئيس الحالي ماكرون، لم يقبل بالاعتـذار عن جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر، والتي ذهب ضحيتها ما يزيد على مليون جزائري.

أميركا، رائدة حقوق الإنسان، قتلت أكثـر من ثلاثة ملايـين مدني في الحرب الكورية عام 1950، ومليوني مدني في حـرب فيتنام عام 1955، ومعهم ضحايا الحروب الأميركية في كوبا وكمبوديا وغرينادا وإيفانا، ما بين عامي 1961 و1989، علاوة على تدخلها لإسقاط الحكومة الإيرانية في 1953، وتحريضها ضـد الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور اليندي في 1973، وانسحابها من منظمة اليونسكو لأنها قبلت بعضوية فلسطين في 2017.

أوروبا الشرقيـة، في المقابل، معروفة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وما قيل موثق فيما يعرف بالكتاب الأسود الذي صدر في 2020، وجمعت معلوماته بواسطة 15 منظمة حقوقية غربية، وفيه رصد لعمليات عنف موجهة وبالآلاف ضد اللاجئين على امتداد خط البلقان، والخط يمثل المعبر الأساسي للاجئي آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي لمساعدتهم ولو بالتصريحات الإنشائية. حقوق الإنسان عبارة زئبقية لا تقبل التعريفات الثابتة، وتوظيفها في الغـالب يكون لخدمة المصالح الغربية، وقد أدخلت انتهاكات حقوق الإنسان ضمن مهددات الأمن الدولي، وأصبحت بالتالي من وظائف مجلس الأمن، ومن بين قائمة مبرراته لفرض عقوبات دولية، مع أن العقوبات، بشكليها الذكي والعام، أو حتى منذ إقرارها لأول مرة في أثينا اليونانية عام 432 قبل الميلاد، لم تمنع موسوليني من احتلال إثيوبيا في 1935، ولم توقف بوتين من ضم شبه جزيرة القرم في 2014، ولم تنجح مع معظم الدول التي استهدفتها، ما لم نقل إنها تأقلمت معها بالاعتماد على قدراتها الذاتية، والواضح في أزمة روسيا مع أوكرانيا، أن أوروبا ستدفع الجزء الأكبر من فاتورتها الحقوقية والعقابية.