رفيف الحب في شعر العشاق المتيمين حتى الثمالة، تتجلى فيه حالة من النشوة تشبه الغيبوبة عن الدنيا وما فيها عدا طيف المحبوب بصورته وخطوته ورائحته وصوته.. تتجسد الدنيا فيه.. وتغيم الرؤى الأخرى.. وتغيب مظاهر الوجود الواسع لتحوم حوله فقط وتذوب فيه مجسّماً موحياً باحتفال الحياة وابتهاج الفردوس حتى يكون المحبوب ملء القلب والعقل والعين ومنتهى أماني المتمني.. لا يغني عن المحبوبة غيرها كأنّ الله لم يخلق امرأة سواها، ولا يغني عن المحبوب كل رجال العالم، كأنما هو الرجل الوحيد في هذا الكون.. غيبوبة مشاعر الظاهر أنه لا يحل محلها مباهج الدنيا ولا أموال قارون! هذا ما يبدو في الظاهر ولا ندري عن الواقع وما يدّعون إذا أقبلت مباهج أخرى أو لاح بريق الذهب فكم من حب ومحبوب نسوا أحبابهم وغرقوا في بحيرات الذهب..

من هذا الرفيف العجيب لأنور سليمان على لسان محبوبته التي لا ندري أهي واقعٌ أم خيال لكنها رفّت شعرًا يفوق التوق ويفوح بالعطور بشعور هو منتهى الذوق الحسي والذوبان:

(لي هذا الشاعر أفديهِ

وأموت بدفء قوافيه

بسواد عيوني!.. ما خفقت

شفتاي لغير أغانيه

أهواه أعيش بحجرته

طيفاً، بالحب أناجيه

أُدنيه إليَّ، أعاتبه

وبرمش العين أداريه

وأحبُّ جميع قصائده

وأحب جميع معانيه

إن جاء لوعدٍ أرقبه

بزهو الوردة بالتيه

وأحارُ بكيف أقابلهُ

وأحارُ بكيف ألاقيه

أبكي أبكي إن غادرني

وبشوق الشوق أناديه

بجموع العطر أواكبه

ومساء النجمة أهديه

إن غاب أغيب عن الدنيا

ويغيب الكون وما فيهِ)

هنا زحام من الزهور والعطور والوجد والنور طالما الحبيب موجود فإذا غاب خيم الظلام التام على كل الأشياء والأحياء! ومن رفّة القلب ورفيف شعر الحب الذي يختصر الوجود في المحبوب كأن غيابه غياب الشمس في ليل صحراء غاب فيها القمر والنجوم.. لفدوى طوقان:

(وتمضي وأمضي مع العابرين

وما بيننا غير نجوى النظرْ

وطيفُ ابتسامٍ على شفتيك

ووهج هيامٍ بعمقي استعر

وقد هبط الليل حُلو الغموض

خلوب الرؤى عبقري الصور

وماجت مع الريح خضر الكروم

مشعشعة بضياء القمر

وفاض الوجود شعوراً وشعراً

وذاب من الوجد حتى الحجر!).

الحب هنا (حفلة زار) والشعر طارٌ ومزمار