جرت هذه الحادثة في مجلس كبير، دار فيه الحديث عن الجنون والمجانين! قال أحد الجالسين: دعوني أروي لكم هذه الحادثة الغريبة: كان لي صديق من الناجحين يحب المرح وطلعات البر والاجتماع بالناس، ثم تغيّر فجأة، لم يعد يطلع معنا للبر أو حتى يحضر الاستراحة أو يطيق الجلوس مع الناس، ذهبت إليه بعد اعتزاله بشهر أطمئن عليه، قلت ما بك ياصديقي لم نعد نراك أو تطلع معنا للبر؟ قال لا أُخفيك كرهت الحياة والناس وعفت الطعام والنوم، تأتيني حالات غريبة تجعلني أتمنى الموت، فهي أشد من الجاثوم الذي يأتي في النوم، تأتيني بغتة في اليقظة فيخفق قلبي كالطبل وأحس كأني في جحيم الظاهر أنها جنيّة تحاول الدخول فيّ مرةً بعد مرة! تصارعني! وأظنها سوف تدخل بالكامل! قلت أمازحه لو كنت جنية لدخلت فيك! أنت شاب وسيم ناجح! قال أنا لا أمزح، والنجاح راح، صرت أخاف من العمل، أخذت إجازة.. لا طاقة عندي.. تكفى يا صديقي فيه معالج شعبي مشهور يخرج الجن، اذهب معي له أخاف أروح وحدي، قلت لا أعترف بالدجالين دعنا نذهب لطبيب نفسي قال لا، ما أريد إلا هذا المعالج المتخصص في الجن! تكفى يا صديقي! وبما أن تكفى تهز الرجاجيل فقد وافقت كرامةً له لا قناعة، وقلت في نفسي ربما كان فيه وهم يزول مع الإيحاء..

ذهبنا للمعالج الشعبي ورأيت العجب حين دخلت: عالم جلوس في حوش كبير على وجوههم البؤس والدجال الوحش ذو العضل يدور عليهم كالكابوس حتى وصل إلينا فهجم عليّ أنا وخنقني فجأة بعُنف وسرعة وأنا أصرخ (ما هو أنا هذا وأشير لصديقي وصوتي متحشرج على وشك الموت) أرخى يديه من رقبتي وقال لا وأنت بعد مهبول!! تنفست بصعوبة من شدة الخنقة لو كنت أقدر على ضربه ضربته أو على الهرب هربت لكن خارت قواي من انقطاع نفَسي أما هو فهجم على صاحبي وخنقه حتى غرغرت روحه وهو يقول أخرجي أيتها الجنيّة اللعينة! ومن حلاوة الروح قال صاحبي بصوت متحشرج متغير حاضر حاضر وصفّق كل المساكين المراجعين، التفت لي الدجّال وفتح من ثوبه أكبر جيب رأيته فإذا هو مليان بالفلوس نظر لي شزراً فخفت يخنقني ثانية فوضعت في جيبه خمسمية أسهل عليّ من الموت ووضع صديقي مثلها وقمنا نتعكّز على بعضنا، هرمنا خلال نصف ساعة من هول ما أصابنا وما رأينا، قلت في نفسي وعيني على رفيقي أنا أهبل من هذا يوم أروح معه لدجّال جزّار أقسى من الحجر وأقوى من الثور.. قال صديقي تظن الجنيّة طلعت؟ قلت أكتم غيظي أنت أخبر!

ما تعافيت من خنقة هذا الدجال إلا بعد أسبوع، صمّمت أن أبلغ عنه وأن أقف مع صديقي رغم أنه وضعني في أسوأ وضع مرّ بي في حياتي، ذهبت إلى صديقي فهو لا يأتي أبداً سألته عن حاله وأنا عارف، قال أسوأ! قلت هذا مشعوذ دجال خنقني أنا بعد وشككني في نفسي الله يمحاه! تكفى خلّني آخذك لطبيب نفسي تكفى، وافق بتردد وصعوبة، ذهبت معه وشرح الحال للطبيب الذي سأله عدة أسئلة ثم قال لا يوجد في علم النفس شيء اسمه جنون، عندك (اكتئاب) وشرح له الأعراض وأنها قد تأتي في أي وقت مما يجعله يخاف أن تداهمه عند الناس، وأضاف لستَ وحدك، هذا مرض كثير الانتشار، وهو وغيره من الأمراض النفسية التي زادت في هذا العصر، إذا لم تُعالج عند مختص أفسدت على الإنسان حياته الزوجية والعملية والاجتماعية ودمرته، مع أن علاجها عند المختصين سهل بإذن الله، سوف أعطيك دواء لمدة قصيرة، وأدربك على تمارين الاسترخاء التي هي العلاج النهائي فهي أهم من أي دواء كيميائي، دربه لمدة ساعة على الاسترخاء وشدد على الصلاة الخاشعة لأنها تمنح الإنسان راحة نفسية لا توجد في أي علاج في الدنيا، وفوق أنها عبادة فهي أيضًا سعادة، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلما حزبه أمر قال لبلال: "يا بلال، أرِحنا بالصلاة" كذلك الأذكار والدعاء وقراءة القرآن الذي هو شفاءٌ لما في الصدور.

ثم وصف له العلاج وما هي إلا أسابيع حتى عاد للحياة والصحة والعمل والأصدقاء والمرح وحُبّ الكفاح والنجاح.. طلبت من صاحبي تدريبي على (تمارين الاسترخاء) مع أنها موجودة في (اليوتيوب) صرت أعملها فزانت صحتي ونومي وزاد تفاؤلي بالحياة..

قاتل الله الدجالين!

إن كان هنا جنون فهو هؤلاء الدجّالون.