هذا التحذير يعني وطننا بصفة خاصة؛ لأن وطننا يتميز ولله الحمد بخاصيتين نادرتين: الأولى، حرصه الشديد على صحة وحياة الإنسان مواطنا كان أو مقيما فلا يقبل لها ضررا ولا ضرارا من منطلق إسلامي إنساني، والثانية، أن وطننا، ولله الحمد، يوفر العلاج المجاني لجميع المواطنين من جميع الأمراض الحادة والمزمنة والعضال، لذا فإن على الجهات الحكومية كل فيما يخصه منع كل ما يثبت إضراره بالصحة بناء على الحقائق العلمية من مصادرها المحايدة النزيهة وفرض رقابة صارمة على كل مواد قد تتسبب في أمراض تستنزف صحة الإنسان (وهي الأهم) وحيويته وإنتاجه ويهدر عليها المال وهو مهم.

منذ بدأنا دراسة علم الصيدلة (منذ قرابة 40 سنة) ونحن نعلم أن لمزيلات رائحة العرق آليتين أو (ميكانيزم) أحدهما بسد قنوات التعرق واحتباس العرق والثانية بقتل البكتيريا الموجودة في الإبط والتي تحدث الرائحة، ولا ثالث لهاتين الآليتين، كما نعلم علم اليقين ومن مصادر علمية أمينة، لم تكن تأثرت بعد بإغراءات شركات تصنيع أدوات التجميل ووكلائها ومروجيها أن لكل نوع ضررا عظيما. وما زالت الدوريات والمجلات العلمية الأمينة تنشر أبحاث علماء الصيدلة الأمناء التي تؤكد ارتباط المركبات الموجودة في تلك المستحضرات بسرطان الثدي وارتفاع حالاته عن طريق تأثيرات متعددة، ليس المجال هنا لشرحها، لكن بعضها يتعلق بامتصاص مركبات مسرطنة بنفسها أو مركبات أخرى تشجع على زيادة الهرمون الأنثوي الاستروجين، وأيضا كصيدلي ممارس عايش عن قرب طرق خداع المنتجين وحيلهم في إغراء العامة، وسمع عن أساليبهم في أوطانهم بحضور عدة مؤتمرات دوائية وفي علم السموم، أرى أن من الحكمة عدم التطرق في مقال عام كهذا لأسماء المركبات المسرطنة، وتلك التي تسبب تلف الكلى وغيرها من الأعضاء، وذلك لعلمي أن شركات إنتاج مستحضرات إزالة الرائحة ووكلاءها والمروجين لها (خاصة من المشاهير والمشهورات) سيعمدون فورا لذكر عبارة (خالي من مركب كذا الضار) لذا نكتفي بالقول إن علاقة هذه المنتجات بالسرطان وتلف الكلى ثابت ومعروف سلفا.

لقد واجه العالم أجمع، ونحن جزء منه، كذب شركات التبغ في ادعاءاتهم بعدم علاقته بالسرطان ودفعوا أموالا لمن يدعي أبحاثا تنفي تلك العلاقة وفرضوا عبارات مثل (ليس هناك ما يؤكد) حتى ذهبت ملايين الأرواح واستيقظت بعض الضمائر وكذا فعل منتجو مشروبات الطاقة ووكلاؤهم، واليوم ستجد أبحاثا تقول (ليس هناك ما يثبت وجود تأثير مباشر لمزيل الرائحة على الثدي يسبب السرطان) أو (استشر طبيبك قبل وضع مزيل الرائحة إذا كان لديك مشاكل في الكلى) وهي عبارات مدفوعة مخادعة.

إن من مشاكل مجتمعنا الكبيرة التأثر بما يصدر من الواتساب والسناب وتويتر من معلومات مضللة لمشاهير الترويج المدفوع، لذا علينا وعلى الجهات المعنية تكثيف حملات التوعية ضد كل ما يضر بالصحة ومواجهة التيار الجارف المضلل للمنتجين؛ فالوطن هو من سيتحمل خسارة الصحة أولا وخسارة علاج المرض، فالوضع خطير جدا. واسمحوا لي أن أستشهد بمجتمعي الصغير، فأنا صيدلي مخضرم وابنى سليمان صيدلي متفوق وممارس لخمس سنوات، ومع ذلك عند محاولتنا للتوعية نواجه عبارة (بس يقولون هذا منتج طبيعي خالي من المواد الضارة) ولا أجزم بأننا ننجح في مواجهة التيار الجارف.