الملكة بلقيس، حاكمة مملكة سبأ والتي عاشت في القرن العاشر قبل الميلاد في اليمن. وردت قصتها في القرآن الكريم والتوراة والإنجيل مع إشارات إليها في التراث الأثيوبي حيث يطلقون عليها اسم الملكة ماكيدا. وحيث اعترت الروايات في نصوص العهد القديم والعهد الجديد الكثير من التحريف، تعتمد مقالة اليوم على النص القرآني لاستخلاص عدد من الدروس الإدارية والقيادية من شخصية الملكة بلقيس كما يلي:

أولاً: الاهتمام بالإعلام والصورة الذهنية: نجد في وصف الهدهد لسيدنا سليمان عليه السلام قوله عن مملكة سبأ: "إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ"، فالوصف بأنها أوتيت من كل شيء إشارة إلى العناية والاهتمام لدى الملكة بلقيس بالمظهر الخارجي والصورة الذهنية عن شخصها وعن دولتها. ونجد ذلك متمثلاً في وصف العرش بكلمة عظيم. ولا شك أن القائد الناجح يولي الاهتمام ويستثمر لبناء اسم مرموق لبلده أو منظمته ناهيك عن شخصه فيما يخدم المصلحة العامة.

ثانياً: التواصل الفعال: لا يمكن للقيادة أن تنجح بدون تواصل قوي وفعال مع فريق العمل ومع الجمهور. ونجد الملكة سبأ تبلغ فريقها بكل دقة بوصول الرسالة إليها وبفحوى الرسالة دون زيادة أو نقصان في قولها: "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ". ومن البدهي أن تحرص الإدارات الناجحة على تعزيز القدرات في التواصل لما في ذلك من ضمان للاستقرار والعمل بكفاءة أعلى بعكس الحال عندما لا تكون القدرات كلها مركزة ولا تسير ضمن رؤية واحدة.

ثالثاً: التعامل الراقي: يتطلب الحكم والقيادة تعاملاً راقياً وخلقاً رفيعاً يفرض الاحترام على الآخرين في التعامل ولغة الخطاب. ونجد ذلك في وصف الملكة بلقيس لرسالة سليمان عليه السلام في قولها (كِتَابٌ كَرِيمٌ) رغم عدم وجود سليمان عليه السلام في ذلك المجلس. أضف إلى ذلك قرارها بإرسال الهدية كنوع من التعامل المحترم في عرف العلاقات الدولية.

رابعاً: التشاور وعدم التفرد بالرأي: حرصت الملك بلقيس على سؤال من حولها ليعطوا رأيهم ويدلوا بدلوهم حول التصرف الأمثل تجاه رسالة سليمان عليه السلام. ورغم أن الآراء كانت تصب في اتجاه الحرب والقتال، إلا أنها ردت بأدب جم وحكمة عن الآثار المترتبة على هذا القرار وأنها تفضل الحل الدبلوماسي. ونلاحظ هنا أنها استمعت للآراء ومن بعد ذلك أعطت قرارها.

خامساً: الإدارة من أرض الميدان: نجد أن الملكة بلقيس حرصت على ترؤس الوفد الزائر من مملكة سبأ وقطع كل المسافة من اليمن إلى فلسطين للقاء سليمان عليه السلام والتفاوض بشكل مباشر. وهذا ينبئك عن حس قيادي عالٍ وحرص على التنفيذ لا تجده في الكثير من الإدارات التنفيذية التي أصبحت تدير من وراء المكاتب أو عبر التقارير والرسوم البيانية دون اطلاع حقيقي على ما يدور في الخطوط الأولى من مبيعات وصيانة وتصنيع وتخزين وغيرها.

سادساً: العمل المؤسسي وتمكين القيادات: نجد أن الملكة بلقيس تركت عاصمتها واتجهت إلى فلسطين. ولا شك أنها تركت من يوثق فيه ليتولى تصريف الأعمال. ونجد هذا يدخل ضمن العمل المؤسسي بألا تتوقف المنظومة بغياب شخص واحد. ونقيس على ذلك الحوار والتشاور مع الفريق لصناعة الرأي واتخاذ القرار والذي يدخل من ضمن تأهيل قيادات المستقبل.

سابعاً: الثقة والشجاعة في اتخاذ القرار: ليس من السهل على القائد أن يتخذ قراراً بتغيير جذري في الاستراتيجية بسهولة. فما بالك إذا كان ذلك أمراً يمس العقيدة والإيمان لمملكة كاملة وهو ما حصل مع الملكة بلقيس والتي قررت أن تؤمن بالله وتتبع النبي سليمان -عليه السلام- رغم ما قد يترتب على ذلك من رفض ومقاومة متوقعة للتغيير في شعب سبأ وقياداته. ولكن الثقة والشجاعة صفتان تلازمان القائد الناجح في أي مجال كان مع ضرورة التفريق بينها وبين التهور. ونختم بما أورده وهب بن منبه في كتاب (التيجان في ملوك حِمْير) أن والد بلقيس جمع أهل مشورته قبل وفاته وقال: "إني رأيتُ الرجالَ، وعَجَمْتُ أهلَ الفضل وسبرتهم، وشهدتُ من أدركتُ من ملوكها فلا والذي أحلفُ به ما رأيت مثلَ بلقيسَ رأياً وعلماً وحلماً".