على الرغم من محدودية الحرب في أوكرانيا وبغض النظر عن نتائجها، إلا أن العالم لن يعود كما كان من قبلها، والحديث هنا تحديداً عن النظام الدولي القديم منه والجديد المقبل، بالإضافة إلى وسائل وكيفية إدارة الصراع العسكري الإقليمي بمنظور دولي اقتصادي وإلكتروني غير عسكري.

يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن النظام الدولي القديم والذي انبثق عقب الحرب العالمية الثانية وأدى إلى نظام القطبين، وقد تحول عقب انهيار الاتحاد السوفيتي إلى نظام القطب الواحد، والآن يشهد بداية التحول إلى نظام متعدد الأقطاب، وتبين أن موقف بعض الدول من الحرب ليس دفاعاً عن مبادئ الحرية والديمقراطية بقدر ما هو دفاع عن مصالح في الحفاظ على النظام الدولي القائم.

الحرب أكدت أن التكنولوجيا الرقمية المتطورة هي المستقبل بالنسبة للعالم عسكرياً واقتصادياً، واللجوء إلى سلاح الحصار الاقتصادي والمالي يؤكد أن هذا السلاح هو البديل الحديث للسلاح النووي وهو السلاح الأكثر أهمية وفعالية، كون استعماله ممكناً في حين أن استعمال السلاح النووي غير ممكن عملياً، هذا بالإضافة إلى أن اليد الطولى والسطوة في استعمال السلاح الاقتصادي والمالي للدول الأقوى اقتصادياً بحكم السيطرة على أهم العملات المتداولة دولياً، وهذا الأمر سوف يستدعي العمل بجدية على إنشاء منطقة اقتصادية جديدة موازية للمنطقة الاقتصادية الغربية بهدف كسر احتكارها الفعلي للتجارة والتبادل الدولي، والعمل على إضعاف أو تحييد سلاح المقاطعة الاقتصادية والمالية، وهذا الأمر لن يتم بسهولة أو بين ليلة وضحاها، كونه سوف يستغرق جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً.

قبل ساعات من بدء الحرب صباح الخميس الماضي؛ أعلنت أوكرانيا أنها تعرضت لهجمات إلكترونية متتالية قبل الغزو بساعات، أدت لحجب وتعطيل المواقع الإلكترونية للعديد من البنوك والوزارات والهيئات خصوصاً مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، وأن الهجوم السيبراني تسبب في تعتيم الرؤية للجيش، الذي قال إن المهاجمين لم يحاولوا حتى إخفاء هويتهم، لكن وبعد 48 ساعة أعلنت روسيا أن هجوماً إلكترونياً أدى لتعطيل موقع الكرملين، واتهم مجموعة القراصنة الشهيرة أنونيموس، بتنفيذ الهجوم بعد أن نجحت في شن هجوم مماثل على شبكة قنوات RT التلفزيونية الروسية.

إذاً الهجمات الإلكترونية السيبرانية صارت حقيقة واقعة وليست خيالاً، والمشكلة لم تعد قاصرة على روسيا وأوكرانيا، بل بدأت الأصوات تتعالى من قرب انفجار حرب عالمية إلكترونية، خصوصاً في ظل تطورات الأزمة، وقد حذرت مجلة (لو بيج داتا) أو (البيانات الضخمة) الفرنسية - المتخصصة في الشؤون التكنولوجية - من اندلاع مثل هذه الحرب العالمية، وقالت: إنه من المرجح أن يشن القراصنة موجة غير مسبوقة من الهجمات الإلكترونية ضد البنية التحتية الغربية، وأن هذه التداعيات سوف تصل إلى الشركات المختلفة، بل وقد تتعرض شبكة الإنترنت نفسها للانقطاع. وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية حذرتا من مخاطر الهجمات ضد الشبكات الأمريكية وضد البنية التحتية الحيوية، والبنك المركزي الأوروبي حذر المؤسسات المالية من مخاطر هذه الهجمات الإلكترونية بعد فرض العقوبات الاقتصادية، وعالم الاقتصاد الأمريكي في جامعة هارفارد كينيث روجوف وهو أيضاً الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي قال: إن الخطر الأكبر الذي يواجه العالم هو الحرب الإلكترونية.. فهل نشهد الأيام المقبلة تحولات سريعة في النظام العالمي؟ وهل سيكون للحرب الإلكترونية الوجود الأقوى من صواريخ ودبابات الجيوش؟