الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا لا تعني العرب إلا في شيء واحد، وهو أنهما يمثلان مصدراً أساسياً لمنتجات الحبوب في أكثر من دولة عربية، فهما ينتجان معاً ما نسبته 30 % من إجمالي القمح حول العالم، ولعل ارتفاع أسعار القمح في شهر فبراير الماضي وبنسبة 65 % يفسر ذلك، والسبب أن البدائل الممكنة ستكون من أميركا وكندا والأرجنتين، وسيترتب عليها تكاليف شحن مرتفعة، وقد سبق وأن ارتفعت أسعار القمح في عام 2014 وبنسبة 75 %، وكان هذا على خلفية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية.

بالإضافة إلى أن روسيا تمتلك 23 % من الإنتاج العالمي للأمونيا و17 % من البوتاسيوم و14 % من اليوريا و10 % من الفوسفات، وكلها مواد أساسية لإنتاج الأسمدة المستخدمة في الزراعة، وبالأرقام تشير التقديرات إلى أن أكثر من ملياري شخص سيحرمون من رغيف الخبر نتيجة لهذه الأزمة، وهؤلاء يشكلون ما نسبته 25 % من سكان الأرض.

المملكة تستورد 79 % من القمح الذي تستهلكه، وهو يصل إلى حوالي ثلاثة مليارات طن في العام، والبقية تنتج قي حواضن محلية، ما يعني أن متوسط الاستهلاك للشخص الواحد يبلغ 88 كيلوغراماً، والسابق يتجاوز متوسط الاستهلاك العالمي بثمانية عشر كيلوغرام، وفيه هدر يقدر بنحو 30 % من الإجمالي، وتقوم شركة سالك التابعة لصندوق الاستثمارات العامة منذ تأسيسها في 2009، على تحقيق الأمن الغذائي في المملكة، وذلك عن طريق الاستثمارات والشراكات في الداخل، والاستثمار في قطاع الأغذية في مجموعة من الدول، من بينها، بريطانيا والبرازيل وكندا وأستراليا والهند، وقد ساهمت في رفع التصنيف السعودي ضمن المؤشر العالمي للأمن الغذائي في 2020، ليصل إلى الترتيب 30 من أصل 113 دولة.

الدولة استطاعت تحقيق الاكتفاء الذاتي في التمور ومنتجات الألبان والبيض، وتعمل على الوصول إليه في استزراع الأسماك، وفي الدواجن والخضراوات والفاكهة، وحجم الاستثمار الداخلي في صناعة المنتجات الغذائية يصل إلى 90 مليار ريال، أو ما يعادل 27 مليار دولار، لولا أن الأزمة الروسية الأوكرانية عقدت الأمور بشكل كبير، وانعكاساتها على ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والطاقة والكهرباء واقع ومشاهد، على الأقل في أوروبا، واحتمال انتقاله إلى المنطقة العربية ودول الخليج وارد جداً، وتأكيدات وزارة الزراعة السعودية بأن المملكة لديها مخزون من القمح يؤمن احتياجاتها للعام الحالي، لا تفترض بالضرورة أنه سيكون بالسعر نفسه.

توجد استراتيجية وطنية لإدارة أزمات الأغذية وفق رؤية 2030، ونجاحاتها باهرة في جائحة كورونا، وفي تخصيص ملياري دولار لتمويل الاحتياجات الغذائية في أكثر من 58 دولة عربية وآسيوية وإفريقية، ولعل من المناسب التفكير في وضع تشريعات لضبط أسعار القمح والسلع الأساسية في السوق السعودي، وبصورة تحيد الآثار الاقتصادية المحتملة للأزمة الأوروبية، وإمكانية استغلالها في رفع الأسعار.