هنالك حكمة يابانية تقول: "لحظة اللقاء الأول هي بداية التحضير للوداع"، وقد تنطبق هذه المقولة بشكل كبير على المديرين والمسؤولين عند توليهم للمناصب، ويروي لي أحد المسؤولين السابقين قائلاً: "عندما غادرت منصبي، أقام أحد الموظفين حفلاً كبيراً لمنسوبي الوزراة احتفالاً برحيلي، رغم أنني لم أؤذه يوماً، ولكني كنت منضبطاً، وأحاول أن أحارب التسيب في العمل، وبعد أكثر من سنة، تفاجأت بالرجل نفسه يطرق باب بيتي، ويقبل رأسي قائلاً: أعتذر إليك! لم أعرف كم كنت راقياً ومنصفاً في تعاملك مع الموظفين إلا بعد أن جاء من خلفك.. سامحني أرجوك..". في الأسطر التالية نناقش كيف يجب على المدير أو المسؤول أن يتعامل مع فريقه ومع من تولى مسؤولية خدمتهم.

أذكر قصصاً كثيرة لمسؤولين اغتروا بمناصبهم، فمنهم من كان لا يقبل بوجود أي كرسي في مكتبه إلا كرسيه ليظل الموظفون واقفين بينما هو جالس على كرسيه، وآخرين كان شغلهم الشاغل التسويق الذاتي على منصات التواصل ووسائل الإعلام دون اكتراث حقيقي بالعمل والمسؤوليات الكبيرة على عواتقهم، أما الأسوأ على الإطلاق فمن كانوا يمارسون التجبر والتسلط على موظفيهم باستخدام قوة السلطة، ولم يعد أحد يلقي لهم بالاً بمجرد أن غادروا تلك الكراسي.

وأستعرض معكم هنا عدداً من النصائح عبر التاريخ حول فن التعامل مع الناس وخاصة المسؤولين:

  • "الخير الذي تفعله في الصباح، سوف ينساه الناس غالبًا في المساء، هذه هي الحياة ويحدث هذا مع الجميع، لذا لا تتذمر واستمر بفعل الخير"، باولو كويلو.

  • "من تصدر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار"، ابن حزم الأندلسي.

    • "كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة"، لقمان الحكيم.
  • "من السهل التعامل مع التماسيح لأنهم يحاولون قتلك وأكلك مباشرة، ومن الأصعب التعامل مع الناس لأنهم يتظاهرون بأنهم أصدقاؤك في البداية"، ستيف إروين.

  • "ليست السعادة بالأموال ولا القصور ولكن بسعادة القلب، وإن أقرب طريق إلى سعادة القلب أن تدخل السعادة على قلوب الناس، وإن أكبر اللذات لذة الإحسان"، علي الطنطاوي.

  • "الناس الطيبون لا ينتظرون أن يحسن أحد إليهم حتى يحسنوا إليه، إنهم يحبون من تلقاء أنفسهم خدمة من هم في حاجة إلى هذه الخدمة"، فيودور دوستويفسكي.

    وختاماً، فجميع المديرين والمسؤولين مصيرهم الرحيل عن الكرسي عاجلاً أم آجلاً، والكل سيغادر، وسيذهب اللقب، ولن تبقى إلا الذكرى طيبة كانت أم سيئة، وستنطق من خلفك وتشهد عليك أعمالك. وتعجبني كلمة السفير السعودي الأسبق لدى اليابان الدبلوماسي المخضرم أ. محمد بشير كردي، والذي كان يزور اليابان من فترة لأخرى بعد رحيله، ويحرص اليابانيون وموظفوه السابقون على الاحتفاء به رغم تقاعده وتركه للمنصب، ويعبر عن ذلك بقوله: "عندما آتي أطمئن لأعرف هل كان عملي ناجحاً أم لا من خلال علاقات الصداقة الإنسانية مع المسؤولين والشعب الياباني في خدمة بلدي".

    وصدق من قال: هنالك أناس ينشرون السعادة أينما ذهبوا، وآخرون ينشرون السعادة إذا ذهبوا.