ظاهرة البحث والكشف في التاريخ السعودي وتراثه وحضاراته؛ تعد اتجاهاً حميداً لمعرفة الماضي وإثراء الحاضر والتطلع للمستقبل، وذلك لأسباب عديدة، أولها انطلاقه بمنظور العلم الحديث، ومن خلال نخبة كبيرة من المختصين في مجالات علم الأنثروبولوجيا والتنقيب والحفريات والتاريخ والهندسة وغيرها، إضافة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية (الأنثروبولوجيا)، والتي تثري هذه الاكتشافات عبر فهم علاقة المادة بالمجتمع، فلِكي نفهم جوانب أي قضية راهنة؛ علينا دراسة تاريخها.

الباحث الأنثروبولوجي السعودي البروفسور سعد الصويان أشار في عدة لقاءات له أن أصل العرب كان في قلب الجزيرة العربية وليس في اليمن كما هو شائع، وهو ما يمكن تأمله في أغلب المعطيات التاريخية، ومنها النهضة الاستثنائية للغة العربية عبر تدوينها وتحولها من تلك اللحظة التاريخية ولعدة قرون لغة العلم الأولى في العالم. فهذا من الكشوفات التي تؤكد محورية ثقافتنا في تاريخ العرب كله، وقدرتها على التطور وإثراء العالم والحضارات القديمة كما أُحدث في العراق والشام ومصر، عبر تقديم لغة أو ثقافة تفوق معظم ثقافات عصرها في التعايش.

يوم التأسيس بالغ الأهمية في بناء الدول وترسيخ الهوية وتنوير المجتمع، والهوية السعودية متماسكة ومتجددة ومتطورة، وقد أتت الهوية البصرية ليوم التأسيس هذا العام تحت شعار (يوم بدينا) لـتعزز القيم والمعاني المرتبطة بهذه المناسبة الوطنية المميزة، ومرسِّخَةً للاعتزاز بالإرث الثقافي والاجتماعي لهذه الدولة ومجتمعها، فالهوية السعودية هي كغيرها عبر التاريخ والجغرافيا بحاجة دائمة لإعادة التفكير والتنظير والتأسيس، وبالذات في مراحل بناء الوعي التي تقتضيها المراحل الانتقالية الكبرى في تاريخ الدول، تلك التي تمثلها في السعودية اليوم رؤية السعودية 2030.

ويختلف يوم التأسيس (22 فبراير/شباط) عن اليوم الوطني الذي تحتفل به السعودية في 23 (سبتمبر/أيلول) من كل عام ويعد إجازة رسمية أيضاً، ولا تعارض بينهما، فكلاهما يؤرخ لأيام تاريخية ومحطات مفصلية في تاريخ البلاد، قادت للحاضر المزدهر الذي تشهده المملكة حالياً، والمستقبل الزاهر الذي ينتظرها، حيث يعتبر 22 فبراير ذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل نحو 3 قرون، مع تولي الإمام محمد بن سعود حكم الدرعية منتصف عام 1139هـ (1727م).

أما اليوم الوطني فيوافق 23 سبتمبر من كل عام، وهو اليوم الذي أعلن فيه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود توحيد البلاد تحت اسم (المملكة العربية السعودية) في شهر جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932، أي قبل نحو 9 عقود، وذلك بعد جهود استمرت نحو 3 عقود من بداية تأسيسه للدولة السعودية الثالثة عام 1902.

يرتبط اليومان بشخصيتين تاريخيتين (بينهما نحو قرنين من الزمان) جاءا في وقت كانت تشهد فيه شبه الجزيرة العربية فوضى سياسية وفرقة وتشتتاً، فقاد كل منهما البلاد في عصره من الفوضى إلى الاستقرار، ومن التشتت إلى الوحدة، ليؤسسا دولة راسخة الجذور، أصبحت تضاهي دول العالم قوة ومتانة واستقراراً ونهضة. وإيجازاً لما سبق، هناك عدد من الفوائد العظيمة لاكتشاف ودراسة التاريخ السعودي؛ منها الثراء الاجتماعي والثقافي، وتعزيز ثقافة الانفتاح، وفهم الموروثات، والرفع من مستوى الاهتمام العلمي، والفخر بالدور الحضاري، واكتشاف الثروات، وآخرها هو أن هذا الاهتمام بالتاريخ يعد أحد سلوكيات الأمم المتحضرة.