يوم الجمعة الماضية واجهت مشكلة لم أستطع معها استخدام سيارتي للتوجه إلى جامع الحي الكبير لصلاة الجمعة. على إثر ذلك قررت الذهاب ماشياً خاصة وأن المسافة لا تسغرق سوى 15 دقيقة تقريباً. وبينما أنا في الطريق مررت بجوار مسجد صغير لا تقام فيه صلاة الجمعة ورأيت ثلاثة عمال بسطاء من جنوب آسيا يدخلون إلى فنائه. وهنا توقفت لوهلة وخاطبت نفسي: "هل أكمل طريقي وكأن شيئاً لم يكن؟ لا شك أنهم سيعرفون لاحقاً أن هذا المسجد لا تقام فيه الصلاة. ولكن ماذا لو ظنوا أنهم قدموا مبكراً وانتظروا ولم يتمكنوا من إدراك الصلاة أو ربما كانوا لا يعرفون مكان مسجد الحي الكبير؟". وقتها قررت أن ألحق بهم لفناء ذلك المسجد الصغير لأنبههم.. تفاجأت بالعمال يكملون طريقهم ولا يتوقفون بل ويلوحون لي بأيديهم لألحقهم. جرني الفضول ومشيت خلفهم لأجدهم يخرجون من الجهة الأخرى من الفناء لطريق خلفي مختصر لم أكن أعرف عنه من قبل يقود إلى جامع الحي الكبير. ومشيت في ذلك الطريق خلفهم حتى وصلت لصلاة الجمعة. هذا الموقف الذي مررت به وأحببت مشاركته معكم علمني مجموعة من الدروس القيادية ومنها:

أولاً) بادر بتقديم المساعدة: عندما تجد أن لديك القدرة على أن تساعد أي شخص، لا تتردد في ذلك. البعض يتوقف بحجة القلق من الإحراج أو ضيق الوقت. حتى في الحياة المهنية، عندما يجد الموظف أن لديه شيئاً من الوقت فمن الرائع أن يبادر لمساعدة من حوله أو التوجه إلى مديره ليطلب مهامَ إضافية. هذا السلوك يعطي رسالة إيجابية عنك كشخص في حرصك على استغلال وقتك وأمانتك واستعدادك للتعلم وتطوير نفسك وقدراتك وأنك مؤهل لمهام أكبر ومناصب أعلى.

 ثانيا) لا تحكم من المنظر الخارجي: نظرتي القاصرة للعمال البسطاء جعلتني أبني تصوراً خاطئاً أنهم لا يعرفون الطريق. ولكن في النتيجة اكتشفت أنهم كانوا أكثر دراية ومعرفة بطرق لم أعرف عنها شيئاً من قبل. ونفس الشيء في عالم الإدارة حيث لا ينبغي أن نحتكم فقط إلى المظاهر الخارجية والانطباعات الأولية أو نبني رأياً ونتخذ قراراً نهائياً على معلومات محدودة وموقف واحد. وبالمقابل، فمن المهم أن يحرص الإنسان على أن يكون مظهره وسلوكه وطريقة حديثه دائماً على مستوى راقٍ تمنح الثقة للأشخاص الذين يتعامل معهم.

ثالثاً) تقبل الآراء المختلفة: من الخطأ الكبير أن يصر المدير على رأيه فقط ويتشبت به. وبالعكس تماماً فمن الجيد الاستماع للآراء المختلفة والآراء الأخرى حتى لو كانت من العمال أو الموظفين البسطاء الذين قد يفاجئونك بتفكير من زوايا لم تخطر ببالك وحلول متميزة لا يفكر بها تنفيذيون وأصحاب المناصب العليا.

رابعا) المعروف لا يضيع: في هذا الزمن الذي طغت فيه المادية والمصالح والبراجماتية والضغوط النفسية، من المهم أن نتذكر أن مساعدتك للآخرين وتقديم العون لهم دون البحث عن جزاء أو شكر سيرجع لك عاجلاً أو آجلاً وقد تجده في الخير والبركة في حياتك وصحتك وعملك وأبنائك.

خامسا) التجارب الجديدة تفتح فرصاً جديدة: قراري بالذهاب مشياً وليس بالسيارة خلق لي هذه الفرصة لتعلم طريق جديد والاستفادة من هذه الدروس. وهكذا الحياة المهنية التي تتطلب السعي وراء التحديات الجديدة والتجارب المختلفة للاستفادة والنمو والتطور دون الخلود إلى منطقة الراحة فقط والاكتفاء بنمط حياة وعمل روتيني قاتل وممل.  

وختاماً، انقل خبراتك للآخرين ولا تبخل عليهم بنصحك وتجاربك. أشعرُ بامتنان لأن العمال لوحوا لي بأيديهم لألحقهم ولم يتجاهلوا نداءاتي ويمضوا في سبيلهم. لا تحقرن أبداً كلمة واحدة طيبة ولا تستصغرن مساعدة بسيطة قد تترك اثراً عظيماً في حياة الناس من حولك.