اليوم وبعد أن أنهك العالم فيروس كوفيد-19 ومتحوراته المتتابعة؛ سجلت الوفيات الناتجة عنه أكثر من 5.8 ملايين حالة وفاة وفقاً للإحصاءات الرسمية المتحفظة، والتداعيات الاقتصادية للجائحة كانت ومازالت كبيرة، الإغلاقات المنظمة للنشاط الاقتصادي في مختلف الدول تسببت في انكماش عام ومعدلات نمو سالبة، وما إن بدأ الطلب العالمي يتعافى نسبياً، وبدأ التشغيل والإنتاج بطاقة قريبة من التشغيل التام، حتى أطلت أزمة نقص الموارد برأسها على مختلف الأسواق، بداية من منتجات الطاقة التي قامت بتمرير أثر التضخم في أسعارها إلى قطاعات النقل والإنتاج والتخزين في سائر الأسواق لكل المنتجات والخدمات.

الموجات التضخمية ضربت الاقتصاد العالمي كله، حتى إن مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية أطلقت صيحات استغاثة للدول المتقدمة للتريث في اتخاذ أي قرارات لرفع أسعار الفائدة بغرض كبح التضخم، خشية أن تنفجر أزمة جديدة في سوق الدين بالدول النامية كالتي عايشتها تلك الدول عام 2013 مع اتجاه الفيدرالي الأمريكي لاتباع سياسات تقشفية، الخوف هو من تزاوج التضخم المزمن مع التباطؤ في النمو (الذي بدأت ترصده بنوك الاستثمار ومؤسسات التمويل) مع أزمة الديون وارتفاع تكلفة خدمات الدين، هو أشبه بالخوف من جائحة اقتصادية مهلكة، يمكن أن تقوض كل الجهود التنموية بمختلف دول العالم.

خلال الأشهر الماضية؛ ارتبك المشهد السياسي والچيوسياسي العالمي لينذر باحتمالات متصاعدة للحرب في إقليم القرم، بعدما تسببت تحركات الجيش الروسي على الحدود مع أوكرانيا في دعوة الولايات المتحدة وعدد من الدول لرعاياها لمغادرة الأراضي الأوكرانية، خشية إقدام روسيا على غزو جارتها، والحرب باتت احتمالاً ممكناً، وهنا نقصد الحرب العالمية متعددة الأطراف، وليس الحروب والمناوشات الإقليمية المحدودة التي اعتادت الدول المنتجة للسلاح والمستهلكة للنفط إشعالها وإبقاءها تحت السيطرة، لتحقيق مكاسب اقتصادية وتصريف مخزون السلاح الذي يعتبر الاحتياطي والمخزن الحقيقي للقيمة لدى كثير من الدول الكبرى.

تلك الحرب متى اندلعت -لا قدر الله- هدفها هو تحقيق التوازن طويل الأجل بين الموارد والسكان، فبعدما فشلت الأوبئة والحروب الإقليمية المحدودة في تحقيق تلك الغاية، فالحرب بهذا المفهوم أقرب إلى آلية للتطهير العشوائي، المجردة من الأخلاق، ولن نستمع أبداً إلى أي مسؤول يقر بأهدافها أو يعلن عن التوافق حول شروطها، فهي فقط أشبه بمصير محتوم يتحرك نحوه اللاوعي الأممي لإحداث التوازن المشؤوم، مدفوعاً بضغوط اقتصادية وسياسية.

لكن وحدها الإرادة العاقلة للبشر يمكنها أن تبطل تلك الفكرة أو تدفعها بعيداً، حتى يتمكن الإنسان من ترشيد استهلاكه للموارد وإنهاكه لكوكب الأرض، والبحث عن آلية أخرى للتوازن العام، والرهان المستمر على رشادة المجتمع الدولي، وعلى آلية التوازن التلقائي بغير أي تدخل هو رهان خاسر، مجتمع الدول أقل تطوراً وأكثر عنفاً من مجتمع الناس، تلك حقيقة علمية لا مراء فيها. قبل اندلاع الحربين العالميتين السابقتين؛ حيث كانت التوقعات تصب في عدم إقدام الأطراف على الاشتباك، لكن الأحداث تطورت سريعاً ووقع المحظور، فلم يرَ الكثيرون في إخلال ألمانيا بشروط معاهدة فرساي في سبتمبر 1938 مؤشرات يقينية على نشوب حرب عالمية جديدة، وما هي إلا سنة واحدة حتى أعلنت الحرب بعد اجتياح ألمانيا لبولندا.

هذا هو شأن الحروب التي يتعين على العالم تفاديها عند ظهور أول شرر لها، فكما قال المتنبي:

كل الحوادث مبدؤها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر