انتهت يوم أمس الأربعاء 16 فبراير، مهلة التصحيح لمخالفي نظام مكافحة التستر التجاري، وكان هذا بعد أن تم تمديدها لمرتين ولمدة عام كامل، والمملكة لديها معاناة طويلة مع هذه الظاهرة عمرها أكثر من أربعين عاماً، وقد كانت وزارة التجارة مسؤولة عنها لوحدها، وذلك قبل قيام البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري بمشاركة 20 جهة حكومية.

التستر التجاري استفاد من ثفاقة المجتمع السعودي في فترة ما بعد الطفرة النفطية، ومن العمالة غير السعودية التي توافدت بأعداد كبيرة في تلك المرحلة، واستطاعت أن تقنع المواطن بقدرتها على القيام بمعظم أعماله نيابة عنه، وهو ما مكنها من السيطرة شبه التامة على قطاعات تجارية كثيرة كالمقاولات والمواد الغذائية والبيع بالتجزئة، وأحدث تشوهات عميقة في الاقتصاد الكلي للدولة، ومن مخرجاتها، المشاريع المتعثرة والأغذية الفاسدة والمنتجات المغشوشة أو المقلدة، وربما وصلت إلى حد التورط في قضايا رشوة وغسل أموال، فقد أدين مواطن ومقيمين متستر عليهم، قبل أشهر، في قضية غسل أموال بلغت قيمتها 17 مليار ريال، أو قرابة أربعة مليارات دولار.

اقتصاد التستر التجاري يمثل ما نسبته 20 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويصل إلى حدود الأربع مئة مليار ريال، أو ما يعادل مئة مليار دولار، ولفت نظري أن 40 % من المنشآت التجارية المتستر عليها مسجلة بأسماء نساء، وفي السابق دليل على أن الأنظمة التي كانت تعمل ضد المرأة، ولا تقبل بوجودها إلا في مهن معينة، ساهمت في تفاقم جريمة التستر التجاري، باعتبارها الحل الممكن.

التصحيح بصيغته الجديدة، يعبر عن واقعية حكومية مطلوبة في التعامل مع ملف التستر التجاري، وخياراته منصفة وتعمل لمصلحة المتستر والمتستر عليه، وفيها تسامح وفروسية، والشاهد إعادته لستة مليارات ريال، أو قرابة ملياري دولار إلى دائرة الاقتصاد الوطني، والرقم لا يتجاوز ما نسبته 26 % من طلبات التصحيح التي تمت معالجتها في أغسطس 2021، والمتوقع أنها في الوقت الحالي تقدر بعشرات المليارات، بالإضافة إلى أنه سيمكن الدولة من مراقبة وضبط التحركات المالية الداخلية والخارجية، وسيعزز من المنافسة العادلة والمنظمة والآمنة في السوق السعودي، وسيزيد بالتالي من إقبال المستثمرين الأجانب عليها.

الأهم أن قضايا التستر التجاري ارتفعت بنسبة 59 % في عام 2020 مقارنة بعام 2019، ولعلها من محفزات التصحيح، وإحصاءات البنك المركزي السعودي تشير إلى وجود 180 مليار ريال، أو قرابة 45 مليار دولار، من المال السائل أو الكاش، يجري تداولها داخل المجتمع وخارج نطاق البنوك ولا يعرف مصيرها، والواجب أن يتم تقييد التعامل بالنقد في أضيق الحدود، وبصورة تضمن تحييد الشبهات المحتملة، وتزيد من الاعتماد على بطاقات الصراف والفوترة الإلكترونية في التعاملات اليومية، والمسألة تحتاج إلى تعاون مجتمعي ومؤسسي جاد، حتى تحل المشكلة من جذورها، فالدولة لن تقوم بكل الأدوار.