تروي الأستاذة "غ" قصتها عندما عملت في مجال التمريض، وكانت تمارس عملها بكل شغف وحماس للمهنة السامية التي تتطلب شخصية صبورة تستطيع التعامل مع احتياجات المرضى. ورغم أن الأستاذة "غ" كانت قد تخرجت للتو من الجامعة وبدأت عملها في المستشفى في إحدى الدول العربية، إلا أن حسن تعاملها وسيرتها الحسنة شجعت إدارة المستشفى على أن توكل إليها الإشراف على الحالات المستعصية للمرضى الذين يحتاجون عناية خاصة، ومن تلك الحالات كانت سيدة كبيرة في السن تجاوزت الستين عاماً وتعاني من مشكلات مختلفة من أمراض الضغط والسكر وغيرها، وتزامنت تلك الفترة مع مشكلة جديدة بدأت تواجهها تمثلت في حصوات في كليتها الوحيدة، وقتها قرر الطبيب الشاب المتخرج حديثاً من الجامعة والذي تم تكليفه بالإشراف على تلك الحالة إجراء عملية جراحية للتخلص من الحصوات وهو متيقن من مهارته وقدرته على تنفيذ العملية بنجاح، الأستاذة "غ" وبحكم عملها كممرضة وعلى دراية تامة بحالة المريضة عارضت الفكرة؛ لأنها ستشكل خطراً على حياة المريضة الكبيرة في السن والتي تعاني أمراضاً أخرى، واقترحت تطبيق أسلوب علاجي آخر غير جراحي وأقل خطورة، ولكن الطبيب الشاب أصر على رأيه بإجراء العملية.

حاولت الأستاذة "غ" أن تقنع كبير الممرضين وإدارة المستشفى، بيد أن جميع محاولاتها باءت بالفشل، وتم توجيه إنذارات شفهية إليها بضرورة احترام آراء الأطباء، وأن تتعلم كيف تلتزم بدروها كممرضة من دون أن تتجاوز صلاحياتها أو تتعدى المسؤولين عليها. وفعلاً، قام ذلك الطبيب الشاب بإجراء العملية كما أراد وكانت النتيجة هي وفاة المريضة الكبيرة في السن والتي لم يتحمل جسدها الضعيف والمنهك من الأمراض عملية من ذلك النوع.

كان الطبيب شجاعاً وتقدم بالاعتذار للأستاذة "غ" عن أسلوبه الفج وإصراره على القرار الخاطىء والمتهور لإجراء العملية، من ناحيتها لم تتحمل الأستاذة "غ" الصدمة، وعاشت أياماً عصيبة قررت على إثرها أن تتقدم باستقالتها وتترك مهنة التمريض إلى الأبد، وتبدأ حياة مهنية جديدة في مجال مختلف تماماً.

من ناحيتي، سألت الأستاذة "غ" قائلاً: "لو عاد بك الزمن، هل كنت ستتصرفين بطريقة مختلفة؟"، أجابتني بقولها: "نعم بكل تأكيد، أشعر أنني لم أتمكن من إقناع الطبيب وفريق المستشفى لأنني كنت أتكلم بانفعال وطريقة عاطفية مما جعلهم لا يستمعون لحديثي بجدية، لو عاد بي الزمن لحرصت على جمع الأدلة والحقائق العلمية، وحاولت أن أقنعهم بوجهة نظري بطريقة عقلانية ومنطقية بعيدة عن الانفعالات".

باختصار، ربما تعلم ذلك الطبيب الشاب المتهور الدرس القيادي في ضرورة الاستماع لآراء الفريق. ولكن بالمقابل، استقالت الأستاذة "غ" من التمريض وخسر المستشفى وخسر المجتمع كفاءة كانت تمتلك الحب والشغف لتلك المهنة، والأصعب من ذلك هو خسارة تلك المريضة المسكينة -رحمها الله- لحياتها، والألم الذي يعيشه أفراد أسرتها كل يوم وكل لحظة بسبب ذلك القرار الخاطئ.

وختاماً، قمة الجبن أن ينهزم القائد أمام مشاعر الأنانية والعجب بنفسه ورأيه ويكابر على الحقائق، وقمة الشجاعة أن يتراجع القائد عن رأيه في سبيل اتخاذ القرار الصحيح وتقديم المصلحة العامة، وأصعب الأخطاء هي تلك التي تتسبب بوفاة الأبرياء أو إلحاق الأذى بهم نفسياً وجسدياً مهما قصر الزمان أو طال.