في عام 1413هـ في أواخرها اتصلت هاتفياً بالشيخ عبدالرحمن بن محمد الشعلان -رحمه الله- أحد أئمة الحرم المكي ورئيس المحكمة المستعجلة بمكة، وكان الغرض من هذا الاتصال الاستفسار عن شيخه العلامة محمد بن مانع -رحمه الله-، وأخبرني أنه درس عليه في الحرم المكي وأخذ عنه واستفاد منه طيلة دراسته عليه، كان حديثاً موجزاً جداً لم يستغرق دقائق معدودة، لكن هذا الموجز من كلام عبدالرحمن الشعلان أوضح لي انطباعاً عن نفسية الشيخ الطيبة المتواضعة، وحديثه عفوي جداً تلقائي لم يكن منه أي تكلف أو تصنع ولا تنمق، فكلامه مريح جداً، هكذا كان الانطباع عن هذا الشيخ الصالح ذي الخلق الكريم الزاهد الذي لم يطمح إلى مجد أو مال، بل ظل مستور الحال، فالشعلان لم يعرف عنه إلاّ كل خير وصلاح وتقى وورع وزهد وإصلاح بين الناس، وأنعم الله عليه بنعمة إمامة الحرم المكي في أطهر بقعة في هذه الأرض، وفي هذه الكلمات والجمل نعرّف بشخصية الشيخ عبدالرحمن الشعلان الذي لا يعرفه الكثير من الناس الآن.

وُلد عبدالرحمن بن محمد الشعلان بحائل عام 1328هـ، ونشأ بها نشأة حسنة، وتاريخ ميلاده هذا هو الصحيح؛ لأن الذي كتبه لي حفيده صالح بن محمد الشعلان عبر رسالة أرسلها لي عبر الفاكس سابقاً عندما كتب عنه مقالاً بجريدة الرياض بعد وفاته في سيرة جدّه، وما كتبه فيما بعد المترجمون لسيرته مثل كتاب (وسام الكرم في تراجم أئمة وخطباء الحرم) للباحث يوسف الصبحي وكتاب (المبتدأ والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر الهجري) لإبراهيم السيف -المجلد الثالث-.

قراءة القرآن

وذكر من ترجم لعبدالرحمن الشعلان -رحمه الله- أنه قرأ القرآن الكريم على الشيخ شكر بن حسين، وهذا الشيخ توفي سنة 1337هـ كما ذكر هذا المحدّث علي الهندي في كتابه (زهر الخمائل في علماء حائل)، وتاريخ وفاته يصحّح ما ذكره عبدالله البسام -رحمه الله- بأن ميلاد عبدالرحمن الشعلان عام 1338هـ في ترجمته للشعلان 3/180 (علماء نجد خلال ثمانية قرون)، إذ كيف يكون ميلاد الشعلان عام 1338هـ وقد قرأ على الشيخ شكر بن حسين وقد توفي عام 1337هـ، فالتحقيق أن ميلاد الشعلان عام 1328هـ، وشكر بن حسين رجل مبارك فتح مدرسة تعليم للقرآن الكريم في حائل وعلم الناشئة القرآن كما يذكر علي الهندي، وبه تخرج، ثم لمّا مات ابن حسين خلفه أخوه لأمه علي الشامي، فقرأ عيه كذلك عبدالرحمن الشعلان، ولعل أول من ترجم للشعلان هو بديله بحائل وفي مكة علي بن محمد الهندي -زهر الخمائل في علماء حائل طبع عام 1380هـ-.

يقول علي الهندي عن زميله الشعلان: إنه قرأ الفقه والتوحيد ومختصرات الشيخ محمد بن عبدالوهاب على قاضي حائل الذكي الفطن حمود بن حسين الشغدلي، وقرأ على الشيخ المشهور عبدالله بن صالح الخليفي لما كان قاضياً لحائل، وقرأ على الشيخ عيسى المهوس، كما قرأ أيضاً التوحيد والفقه والتفسير على الشيخ أحمد المرشدي، وقرأ النحو والحديث والمصطلح علي كل من الشيخين محمد زاهد الداغستاني والشيخ الحميدي الرديعان -إمام المسجد النبوي سابقاً-. هذا ما ذكره علي الهندي في ترجمته للشعلان.

السفر إلى مكة

وسافر عبدالرحمن الشعلان إلى مكة المكرمة عام 1360هـ وكانت مكتظة بالعلماء زاخرة بهم، قرأ ودرس في مكة على يد الشيخ محمد بن مانع بالمسجد الحرام، وعلى الشيخ المحقق عبدالعزيز الرشيد لما كان مدرساً بالمسجد الحرام مع بعض زملائه، مثل: الشيخ عبدالله بن زيد بن محمود، حيث انتدبتهم الحكومة للتدريس والوعظ في المسجد الحرام.

وقال زميله في دار التوحيد وزميله في القضاء وفي السكن بمكة المؤرخ الشيخ عبدالله البسام في كتابه (علماء نجد خلال ثمانية قرون) عندما ذكر مشايخ في العلم: فقد كان حريصاً على الأخذ من العلماء، وقد قرأ علي هؤلاء بتخصصاتهم في القرآن الكريم والعناية به وتجويده، التوحيد والعقيدة السلفية، الفقه والفرائض وحسابها، التفسير والحديث وأصولها، النحو والصرف، وذكر البسام أنه أخذ الحساب وتحسين الخط على الشيخ محمد زاهد الداغستاني، وقال أيضاً: فصار عنده مشاركة جيدة في كل هذه العلوم -علماء نجد خلال ثمانية قرون-.

دار التوحيد

وأصدر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أمراً بتأسيس دار التوحيد عام 1364هـ، وأن يكون مقرها الطائف، وكان الهدف من هذه المدرسة تخريج قضاة للمحاكم الشرعية وذلك بعد حركة الإصلاح القضائي، وكان الملك عبدالعزيز حريصاً أن ينضم إلى دار التوحيد أعداد من الطلبة النجديين الذين يأمر باختيارهم وتوجيههم إلى هذه المعاهد للاستفادة منهم مستقبلاً في تطوير الحركة التعليمة في نجد -كتاب وثائق عصر الملك عبدالعزيز المتعلقة بالأمور الداخلية المحفوظة بدار الملك عبد العزيز /180 د.خولة الشويعر-. ولحب الشيخ عبدالرحمن الشعلان للعلم انضم إلى دار التوحيد ولم تكن أغلب العلوم الشرعية والعربية في الدار غريبة عليه لأنه درسها، وتعلم واستفاد الشعلان من علماء وأساتذة دار التوحيد أمثال الشيخ الموسوعي بهجة البيطار -مدير الدار-، والشيخ محمد بن سياد الفرائضي، والشيخ عبدالرزاق عفيفي، وكان من زملائه علماء وقضاة تخرجوا من دار التوحيد.

وبعد تخرج عبدالرحمن الشعلان -رحمه الله- من دار التوحيد عام 1371هـ دخل كلية الشريعة بمكة، ولعل من مشاهير العلماء الذين درسوا الشعلان الشيخ المفسر العلامة محمد متولي الشعراوي -رحمه الله-، وفي عام 1375هـ تخرج منها ثم أكمل دراساته العليا، وحصل على الماجستير في قسم القضاء كما يذكر الباحث عبد الله الصبحي في كتابه (وسام الكرم) في ترجمته للشيخ الشعلان.

رئيس محكمة

وتولى عبدالرحمن الشعلان -رحمه الله- القضاء في مكة، وكان ملازماً في بدايات القضاء للشيخ عبدالله بن دهيش -رئيس محاكم مكة-، وعين فيما بعد رئيساً للمحكمة المستعجلة بمكة، وظل بها حتى أحيل إلى التقاعد، وأخبرني حفيده صالح بن محمد الشعلان عبر حديث لي عن جده: إن عبدالرحمن الشعلان كان في قضاياه التي تعرض عليه في المستعجلة يحبذ الصلح بين الخصوم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي قضية عرضت عليه أن شاباً أُبتلي بشرب الخمر، وكان يضرب أباه وأمه وقبض عليه واقتيد للمحكمة ليحاكم، وحضر أبوه وأمه الجلسة، فسأل الشيخ عبدالرحمن الشعلان الشاب «لماذا تشرب هذه الخمور والمسكرات؟»، فقال الشاب: «الشيطان»، فقال الشعلان: «الشيطان فقط؟»، فقال الشاب: «وجلساء السوء»، فقال الشعلان: «سوف أعطيك فرصة لتتوب توبه نصوح»، فقال أبوه: «لا يا شيخ اسجنه حتى يرتدع عن الخمر»، فقال الشعلان: «سوف أعطيه فرصة، ولكن الآن قبّل رأس أمك وأبيك، واعتذر منهما»، فقام الشاب ونفذ ما أمره به الشعلان، وقال الشعلان: «السجن ليس حلاً، اكتب بخط يدك أنك تتعهد بعدم شرب الخمر وتتوب وتبر والديك»، فكتب الشاب بخط يده التعهد كما أمر الشعلان، ثم أُطلق سراحه بعدما نصحه ووعظه، وبعد مدة جاء هذا الشاب إلى الشيخ في المحكمة وسلم عليه وقال: «أبشرك عملت بنصيحتك وحسنت حالي وطابت نفسي والفضل لله ثم لك يا شيخ»، رحم الله عبدالرحمن الشعلان، فما أحسن حكمته في هذه القضية التي عدلت مساره من بؤرة الرذيلة إلى نور الفضيلة، ومن ظلام وشؤم المعصية إلى فأل التوبة والطاعة، وهكذا من وهبه الله الحكمة في القضاء وموازنة الأمور والنظرة البعيدة للمستقبل والتفرس، والموفق من وفقه الله.

وكان كما حدثني صالح الشعلان -حفيد عبدالرحمن- رقيق القلب جداً وذا عاطفة جياشة، فكان يتألم من بعض القضايا التي تعرض عليه في مجلس القضاء سواء كانت جرائم أخلاقية أو مالية أو جنائية ويقول: «أين إيمانهم بالله وخوفهم منه أليسوا مسلمين؟».

بذل وإحسان

وحدثني صالح الشعلان عن جدّه الشيخ عبدالرحمن الشعلان -رحمه الله- قائلاً: إن جدي كان لا يرد أي سائل، خاصةً الذين يسألونه في الحرم المكي، كان يتبرع لبناء المساجد خارج المملكة إذا جاءه أحد له علاقة بهذه المشاريع الخيرية، فكان دائم الصدقة والإحسان إلى ذوي القربى، فعندما يستلم راتبه يوزع جزءاً منه على المحتاجين منهم سواء كانوا في الرياض أو حائل، وكان منزله مأوى الضيوف من أقربائه طيلة أيام الحج، وحينما يعتمر أحدهم يأوي إلى منزل عبدالرحمن الشعلان حتى ينتهى من عمرته، وفي واقعة له يروي صالح الشعلان عن سائق جدّه، يقول: خرجت أنا وجدي من الحرم المكي بعد صلاة عيد الأضحى متجهين إلى موقف سيارته، وفي أثناء مرورنا اعترضته امرأة، وقالت: «يا شيخ أنا امرأة فقيرة وحاجة وصغيرة سن، وما عندي نفقة، وأخاف على نفسي أن أسلك طريق الرذيلة»، فأخرج جدي ما في محفظته فلم يجد إلاّ خمسمئة ريال وأعطاها هذه المرأة، فقال السائق: «يا شيخ أعطيتها مبلغاً كبيراً»، فقال له: «الله الذي أعطاها وسخرني لها»، وهذه الواقعة قبل أربعين عاماً.

مُربٍّ ومُعلم

ومن طريقة عبدالرحمن الشعلان -رحمه الله- التربية ثم التعليم، وقد مارس التعليم في بدايات حياته، فقد درّس بالمدارس النظامية، ثم إنه درّس بالحرم المكي سنين طويلة لما كان إمام الحرم المكي، درّس التلاميذ الفقه والتوحيد، كان يقرئهم القرآن الكريم، وفي إحدى السنوات جاء رجل إلى عبدالرحمن الشعلان بابن له، وقال: «يا شيخ هذا ولدي، أريده أن يكون طالب علم، وأريدك أن تعلمه العلوم الشرعية وتقرئه القرآن»، فضمه الشعلان إليه في منزله سنوات كأنه أحد أبنائه، وبعد ما بلغ مبلغ الرجال شفع له عند ولاة الأمور بوظيفة حكومية مرموقة وقبلت شفاعته، وتوظف هذا الشاب حتى تقاعد من هذا العمل الوظيفي، فكان عبدالرحمن الشعلان مصدراً لتعليمه وسبباً في جلب رزقه ولم يرد بذلك جزاءاً ولا شكوراً.

مرضه ووفاته

وأصيب عبدالرحمن الشعلان بجلطة قبل وفاته بسبع سنوات، وأُدخل على أثرها المستشفى، ولما أُخبر بوفاة ابنه المذيع الشهير المميز محمد الشعلان -رحمه الله- تأثر كثيراً وأثّر ذلك في صحته، وأصبح مقعداً لا يستطيع المشي، وكان رهين منزله، لكنه صبر واحتسب، كان أصدقاؤه وتلاميذه الأوفياء يزورنه في منزله في مكة ويؤنسونه بحديثهم، وكان قد أم المصلين إبان صحته وعافيته في مسجد الجميزة بمكة سنين طويلة، وفي عام 1417هـ في شهر رمضان فاضت روحه إلى بارئها، وصلي عليه في المسجد الحرام، غفر الله له وعفا عنه وأكرم نزله وجعل قبره روضة من رياض الجنة.

وفي الختام أشكر صالح الشعلان وعمر الشعلان -أحفاد عبدالرحمن الشعلان- على تزويدي بالصور والمعلومات، ولعلي في أعداد مقبلة أكتب عن الإعلامي الكبير محمد الشعلان الذي يعد مدرسة في الإعلام، وقد تخرج على يديه الكثير من الإعلاميين، فهو رائد إعلامي قدير مخضرم، رحمه الله وغفر له.

الإعلامي محمد بن عبدالرحمن الشعلان -رحمه الله-
شهادة تخرج عبدالرحمن الشعلان من دار التوحيد
كراسة مادة التاريخ للشعلان أثناء دراسته
وُلد عبدالرحمن الشعلان في حائل 1328هـ
انضم الشعلان للدراسة في دار التوحيد
إعداد- صلاح الزامل