حجم سوق الاستشارات في المملكة يصل إلى 12 مليار ريال، أو قرابة أربعة مليارات دولار في العام الواحد، وقد تطورت كثيراً في الفترة الأخيرة، ولكن المشكلة الأكبر في توطينه وفك احتكار شركات ومكاتب الخدمات الاستشارية غير السعودية، والتي تستحوذ على ما يزيد على 90 % من هذه السوق، وإذا كان هذا يصح إلى حد ما في حالة القطاع الخاص، فالمفروض ألا تتعاقد الأجهزة الحكومية مع المستشارين الأجانب إلا في أضيق الحدود، وعند غياب المستشار الوطني المؤهل في المجال المطلوب، وقد صدر أمر سامٍ ينص على ذلك في أواخر 2019.

بالتأكيد الأجانب ليس لهم وجود واضح في الاستشارات الأسرية والقانونية وريادة الأعمال، ووجودهم يظهر بصورة أكبر في الاستشارات الإدارية والهندسية والطبية والتعليمية، ويحدث ذلك مع وجود كفاءات وطنية قادرة ومؤهلة في الجامعات والوزارات السعودية، خصوصاً أن الدولة تستثمر في اقتصادات المعرفة، والاستشارات تعتبر واحدة من ركائزها الأساسية، بالإضافة إلى أن الخدمات الاستشارية السعودية أقل في أسعارها من الاستشارات الأجنبية، وتنسجم مع أولويات ترشيد الإنفاق والحوكمة المالية المعمول بها في الوقت الحالي، لولا الارتجالية والعشوائية الموجودة أحياناً في سوق الاستشارات السعودية، مقارنة بالمأسسة والاحترافية في شركات الاستشارات الأجنبية.

بخلاف أن بعض الاستشارات المحلية أصبحت أقرب إلى العمل التجاري والفهلوة، ويقوم بها أشخاص غير متخصصين رغم وجود ضوابط تنظمها، ومن الأمثلة، قيام سعودي بتقديم نفسه كاستشاري في ريادة الأعمال، بعد أن امتهن العلاج بالأعشاب قبل ثمانية أعوام، وتعرض لانتقادات من خبراء في هذا المجال، ومع كل ما قيل بقي خارج دائرة المساءلة، وبلا سيرة مهنية أو وظيفية معروفة، والأصعب أنه قدم ضمن شخصيات برنامج لعرض التجارب الحياتية على شاشة تلفزيون عربي، في استعادة لدور ليوناردو دي كابريو في فيلم: كاتش مي إف يو كان.

في تصوري أن أتمتة الاستشارات مفيدة في ضبط أعمالها، وتوجد برامج حكومية لتقديم الاستشارات المجانية لرواد الأعمال، ومعها الاستشارات القانونية في الأمور القضائية، والخدمات الاستشارية في مجال الصحة العامة، إلا أن الاستشارات الأسرية والإدارية مازالت خارج التغطية الرسمية، فالأولى ارتجالية ومفتوحة لكل أحد، والثانية متوقفة عند عقود الاستشاريين الأجانب وأرقامها العالية، على الرغم من وجود قرابة مئتي ترخيص لمواطنين في مجال الاستشارات الإدارية، والمفاجأة أن هناك لجنة وطنية للمهن الاستشارية في مجلس الغرف السعودية، لا يسمع صوتها ولا يعرف دورها.

العمل الاستشاري يحتاج إلى المهارة بجانب التأهيل والخبرة، ومعاهد الخدمات الاستشارية موجودة في أكثر من جامعة سعودية، وفيها دورات معتمدة للتدريب على مهارات تقديم الاستشارة، بالإضافة إلى الجدية في الرقابة على من يقدمون الاستشارات، وعمل مراجعات سنوية للتأكد من أهلية الاستشاري، وأن لياقته العقلية تمكنه من القيام بأعماله، وكذلك إخضاع الاستشارات للفوترة الإلكترونية والضريبة.