في نظري أنه كان هناك نوع من المبالغة في تقدير "علاوات الإصدار" لكثير من الشركات المطروحة حديثًا للاكتتاب أو الإدراج المباشر في السوق، لأن مكرر كثير منها 20 وأكثر، في الوقت الذي تتداول فيه شركات قديمة عريقة بأقل من ذلك المكرر كثيرًا، ومع ذلك يتهافت الناس على أي شركة جديدة ولو كانت بعلاوتها أغلى بكثير من شركات يتم تداولها في السوق من سنين.. كأن فيهم غرامًا بالجديد، وكأنهم صاحب ثلاث زوجات جميلات ويُغرم بامرأة جديدة يدفع لها غالي الأثمان لتكون زوجته الرابعة لكنه ربما يعافها بعد الزواج بشهور أو أيام بعد انكشاف المستور.

يضاف لهذا أن أسعار الفائدة مقبلة على ارتفاع، وهذا يجعل المستثمرين يريدون عائدًا أكبر،

وبعض الشركات المطروحة ربما جمّلت مراكزها وأرباحها، قبل الطرح بشكل ما، فالمحاسبة نظرية وليست علمًا، وبالإمكان التساهل في احتساب الاستهلاك والتغافل عن مدى إمكانية تحصيل جميع الموجودات التي لم تُسدد بعد، ونحو هذا مما يبرع في التغاضي عنه بعض المحاسبين، ملقين المسؤولية على تقديرات إدارة الشركة، والتي من مصلحتها إظهار أرباح غير متحفظة، هذا وارد أحيانًا، ولا يعفي المحاسب القانوني في ظني.

وتقدير علاوة الإصدار يعود لضامن الاكتتاب بالتنسيق مع الشركة، وقد يتم استغلال الإقبال الهائل على تغطية أي طرح، بالمبالغة في حجم العلاوة، ولهذا زيادة مخاطر مستقبلية قد تكون عالية.

وضامن الاكتتاب الذي يعلن عن حدود العلاوة هو نفسه الذي يضع تقديرات متحفظة لشركات متداولة عبر أبحاثه، وكثيرًا ما يكون مكرر تلك الشركة المدرجة أقل من مكرر الشركة المؤهلة للاكتتاب، والجهة المقدرة واحدة.

واستغل كثير من أصحاب الشركات شدة الإقبال على أي اكتتاب جديد بالمطالبة بعلاوة إصدار فوق المستحق أحيانًا، واللوم هنا يقع على ضامن الاكتتاب الذي يفترض أن يحرص على تقدير القيمة العادلة الحالية والمستقبلية، ولكن شدة الإقبال على الاكتتابات وتنافس ضامني الاكتتاب قد يخلط الأوراق ويدفع للتساهل والتسابق على الضمان، فضامن الاكتتاب له من الكعكة نصيب.

وحتى الآن يتم تغطية أي اكتتاب جديد عشرات المرات أثناء بناء سجل الأوامر استعانة بروافع مالية كبيرة يعلم مقدموها أنها شبه معدومة المخاطر لأن التغطية تتم أضعافًا مضاعفة مقابل مبلغ اكتتاب معروف محدود، هذا أيضًا سهّل على كثير من ضامني الاكتتابات المسألة بكل تفاصيلها وأبعادها، وأسهم في المبالغة بوضع علاوات إصدار كبيرة لكثير من الشركات، اعتمادًا على الزخم الهائل للتغطيات السابقة، لكن لا أحد يدري عن عواقب ذلك في المستقبل، خاصة مع ارتفاع الفائدة، فارتفاع السعر في الأيام أو الشهور الأولى من تداول الشركات الجديدة التي بعضها بعلاوات مبالغ فيها، هذا الارتفاع لا يُعتد به كثيرًا لأنه مضاربي في غالبه، وربما انطبق على بعضه ما يُسمّى (طريقة الأحمق الأكبر) فكثير ممن يشترون أسهم بعض الشركات الجديدة أثناء تداولها أو حتى اكتتابها، يقولون:نعرف أنها غالية فوق قيمتها العادلة، ولكننا نجد من يشتريها منا ويربحنا.. وفي الآخر تقع في يد (الأحمق الأكبر) الذي لا يجد من هو أكثر منه حماقة ليشتريها منه.

إن سوقنا ضخم واقتصاد المملكة واسع الاستيعاب، والمزيد من الاكتتابات مفيد جدًا في تعميق السوق وتنويع الاستثمار وضمان استمرار الشركات العائلية، ومكافحة البطالة مع رفع كفاءة الإدارة والتشجيع على إنشاء المزيد من المؤسسات والشركات العائلية، لكن دون المبالغة في علاوات الإصدار، (فالشهرة) لسوق الأسهم لا للشركات الجديدة، والطرح ليس للتربح بقدر ما هو لضمان الاستقرار والاستمرار والحصول على التمويل والقدرة على التوسع، أما المبالغة في العلاوة فمن أضراره الأخرى أنه قد يغري الملاك ببيع أسهمهم بعد انتهاء فترة الحظر القصيرة أصلًا وإن حدث هذا فقدت الشركة مؤسسيها ذوي الخبرة بها، وتفرقت أسهمها بين المضاربين وربما تعرضت مستقبلًا لخسائر ومسلسل (خفض رأس المال ورفعه) كما حصل لأخوات لها من قبل.

في اعتقادي أن أنفع شيء هو طرح شركات جديدة بلا علاوات، في كل ما يحتاجه المجتمع والسوق والقطاع العام والخاص، كالصيانة والسياحة والتقنية والرياضة والجيل الثاني من الصناعات البتروكيماوية، والمصارف أيضًا، فبعد الاندماجات تقلص عدد المصارف في المملكة مع أننا مقبولون بإذن الله على نهضة كبرى تعم المملكة من أقصاها إلى أقصاها، فطرح مثل هذه الشركات بلا علاوة وفي مناشط جديدة يجذب الأموال المهاجرة والاستثمارات الأجنبية، ويوفر فرص عمل جديدة، ويزيد العرض والتنافس الشريف، ويؤهل المزيد من الكفاءات الإدارية السعودي ويأتي بقيمة مضافة وعملات صعبة، ويتيح فرص استثمار جديدة وهي أقل خطورة من طرح شركات قائمة بعلاوات إصدار مبالغ فيها أحياناً.