ضمَّ وطننا شخصيات كثيرة لم يكتبوا معركتهم في الحياة والمصاعب التي صادفوها والصدمات التي كانت لهم بالمرصاد، مع أنها تجارب ثرية وغنية ومواقف تستحق التأمل والدرس واستخراج الفوائد التي تطور من بناء شخصية القارئ، ومن هؤلاء الذين ينبغي عرض سيرهم في عالم المال والأعمال العصامي المكافح إبراهيم بن محمد بن ناصر الحميضي -رحمه الله- الذي شق طريقه في الحياة من تحت الصفر، اعتمد على الله عز وجل متوكلاً عليه، ثم اتكأ على قدراته الشخصية ومواهبه الفطرية التي أودعها الله فيه، فتفجرت تلك المواهب إبان تلك الأخطار والكوارث، فكانت معركته في هذه الحياة سجالاً ما بين نصر وهزيمة وفشل ونجاح، لكنه لم يستسلم لهذه الهزائم، بل دفعته بقوة على الاستمرار والإصرار.

وُلد إبراهيم بن محمد بن ناصر الحميضي في بلدة القصب عام 1338هـ، على نهايات الحرب العالمية الأولى التي أثرت تأثيراً سلبياً على الدول جمعاً والعالم ككل، ومنها نجد والجزيرة العربية مع ما تقاسيه من شظف في العيش قبل الحرب العالمية، وقبل ميلاد الحميضي جاءت عاصفة الوباء عام 1337هـ الذي أفنت الكثير من البشر في نجد، ولم ينج بيت محمد الحميضي الأب من هذه الأوبئة التي تلت سنة الرحمة، بل إن المنايا اختطفت أخوين له بمرض الجدري الذي وحتى لو نجا من الموت فقد يفقد المريض بصره أو تبقى آثاره في وجهه، كانت الظروف المعيشية أقسى مما يتصوره أي شخص يعيش الآن في رفاهية الحياة ورغد العيش والتطور السريع الحديث.

ونالت لطيفة بنت فهد الجلعود -والدة إبراهيم الحميضي- حظاً من حفظ القرآن الكريم، فتلقى على يدها سوره، ثم توجه إلى كتاتيب القصب وواصل تعلم القرآن والقراءة والكتابة.

أول تحدٍ

ولم يكد يبلغ إبراهيم الحميضي -رحمه الله- سن البلوغ حتى ولج معركة الحياة وواجه أول تحدٍ له في حياته، إذ اضطرته الحياة أن يكسب قوته ومعاشه من عمل يده، وهكذا شأن أهل كل بلدته، فليس هناك مجال للكسل والاسترخاء، والكل يعمل ويكد ويجري ليوفر لقمة رزقه، فلم يكن بد إلاّ ركوب الصعب، فاتجه إلى الحرث والزرع في بلد يعتمد على الأمطار الموسمية، وخاض الحميضي أول تجربة في عالم الكفاح واستدان من تجار الإقليم كما هو ديدن الفلاحين، لكن هذه التجربة لم يحالفها الحظ والنجاح، فهذا الموسم كان موسماً غير مبارك وأصاب الناس دهر أي قحط وعيش، لهذا أثرت هذه المصيبة عليه وأخرجت من مكنون نفسه موهبة وهي قرض الشعر، يقول د. عبدالله الشعلان في مقال له عن الحميضي: «وقد انعكست طبيعة هذه الحياة وما فيها من شظف ونصب وقسوة على شعره، فكان ذلك الألم وتلك المعاناة التي عادةً ما تشكل في غالب الأحيان مصدر إلهام يجسد فيه الشعراء ما يعرف سعادة الألم أي تلك الحادثة النفسية التي تشحذ الفكر وتلهب القريحة وتذكي الخيال ليأتي نتاج ذلك رؤى فكرية وخيالات شعرية هي نبع من ذلك الألم، وقد حلّل د. الشعلان هذه القصيدة التي نبعت من قلب الحميضي ونطق بها لسانه وجادت قريحته وفاضت بها مشاعره وهو مقال قيم.

وما أحسن القصائد التي ينطق بها القلب قبل اللسان مثل هذه القصيدة القوية المؤثرة النابعة بصدق وليست قصيدة مصنوعة متكلفة خرجت من اللسان لغرض من الأغراض ومأرب من المآرب، وهذا النوع من الشعر يبقى ويحفظ ويشتهر به في هذه الأحوال مثل حالة الحميضي، ومنها هذه الأبيات:

جيت بجرب وغرتني التجاريب

جرحت يمناي جرح قلّت أطبابه

عزي لمن مثلي تعرض للضواريب

مثل الشبح ما يميز وين ضرابه

لا قالوا الناس طيب قلت ما أطيب

إلا أن تحدر علي طويق بهضابه

صمت وهدوء

وكان إبراهيم الحميضي -رحمه الله- قد بيت النية أن يتجه شطر الكويت وعزم على هذا، ولكن الله أراد له غير ما اشتهى، حيث أراد الله له مستقبلاً آخر في وطنه ساحل المنطقة الشرقية، وقد كان حل بالرياض العاصمة ليبحث عن لقمة عيش والرزق الحلال، ولم يكن همه إلاّ هذا، فلم يكن يخطر بباله تفكيراً تجارياً في تلك اللحظات وعمل في بناء قصور الطين، ولم ترق له المهنة فغادر من الرياض إلى الشرقية، وكانت قد وقع له موقف طريف مع ابن ثنيان الذي كان أحد كبار المقاولين في الرياض لبناء قصور الطين والذي عمل معه وتخلص من هذا العمل، وكتب بيتاً شعرياً غلب به أحد الشعراء الفحول، ولو تفرغ الحميضي للشعر وأعطاه كله لأبدع لنا لوحات شعرية، لكنه لم يخلق شاعراً ولله في خلقه شؤون، بل ولو كتب سيرته الذاتية ومشوار كفاحه ورحلته في هذه الدنيا لأفاد القراء، ولا أعلم هل أجريت معه الصحف المحلية حوارات صحفية؟، ولا أعتقد؛ لأنه لا يتطلع إلى الشهرة والأضواء، بل كان يؤثر أن يكون في الظل والعمل بصمت وهدوء حتى وفاته، خاصةً فيما يتعلق بالعمل الخيري، وهذا الأخير سعادته في دنياه، والله عز وجل يقول: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق»، ورغم صغر سنه إلاّ أنه ذو شخصية جذابة وحضور في أي مجلس يوجد فيه، فشخصيته متوازنة وثابتة ومستقلة وليست مزاجية مهما تغيرت الظروف وهذه الصفات ليست موجودة في كل الناس، وقد جالس أمير الخبر محمد بن ماضي ومدحه بقصيدة وكانت له صداقة ورفقة معه.

عمل تجاري

وانطلق إبراهيم الحميضي -رحمه الله- إلى ميناء الخبر -أحد المرافئ الحيوية في المنطقة-، وقرر بعد أن تزود بمعلومات عن هذا الميناء وما يحتاجه من خدمات، وكما هي طبيعة الموانئ البحرية أن ترسوا السفن التجارية فيه، وهذه السفن محملة بالبضائع التجارية ولا بد من تفريغها إلى الميناء، فكان إبراهيم الحميضي يفرغ هذه البضائع، وقد استأجر عمالة في هذا العمل، وكان التفريغ يدوي، ولأن الحميضي موهوب في تفكيره ويحب التجديد والتطوير والتحديث خطرت له فكرة الذهاب إلى البحرين، فشاهد في ميناء المنامة رافعات آلية، وكان قد وفر نقوداً فاشترى هذه الرافعة فجلبها إلى ميناء الخبر ولعل الحميضي أول رجل أعمال يجلبها، وبهذا كان العمل فيه إنجاز سريع بهذه الرافعة الحديثة وقام بقيادتها بنفسه.

حريق المحل

وكانت شركة أرامكو قد خطت خطوات في الإنتاج النفطي وتصديره، وهبَّ الكثير من أبناء هذا الوطن وغيرهم من دول الخليج والجاليات العربية للعمل فيها، فكانت فرصة ومصدر رزق، ووفق الله إبراهيم الحميضي -رحمه الله- إلى فكرة تجارية أخرى وهي افتتاح محل تجاري لبيع المواد الغذائية التي يحتاجها الموظفون في شركة أرامكو، ونجحت فكرته تجارياً، وأقبل الموظفون لشراء ما يحتاجونه من محله، بل إن هؤلاء الموظفين قد وثقوا فيه ثقة عظمى، والتاجر إذا وثق فيه زبائنه كسب مكسباً كبيراً؛ لأن من أهم صفات التاجر الأمانة والصدق والتسامح وسهولة التعامل معهم، وكذلك تأجيل الثمن لمن لا يقدر على الدفع مقدماً، فالثقة متبادلة بين الحميضي وزبائنه، ومن بالغ الثقة لدى هؤلاء الموظفين أنهم كانوا يودعون أموالهم عنده، فكان يقوم مقام المصرف، وبهذا نال صفة التاجر الأمين، مع أن هذه الودائع مسؤولية في عنقه، ويأتي قدر الله عز وجل الذي ليس له دافع، بل هو واقع، إذ شب حريق هائل في الظهران عام 1939هـ في موقع محل الحميضي ومحلات أخرى، فأحرق كل ما في المحل من أموال وبضاعة ودفاتر حسابات العملاء التي كان يدون بها الأمانات النقدية، إضافةً إلى كل الأوراق الثبوتية التي توضح ما على العميل، وكانت طريقة الحميضي أن يضع لكل واحد من العملاء حساباً خاصاً، فيه ما يودعه من مال، وكذلك ما يشتريه، فيخصم من ماله المودع، وقد تزيد مشترياته على المال المودع وكل هذه يحسبها الحميضي بدقة وأمانة، والحميضي لم يفرّط في هذه الأمانات النقدية التي كانت من ريالات الفضة، والكارثة كانت عامة على جميع المحلات التي بجواره، ومن شدة الحريق ذابت ريالات الفضة وسرق منها ما سرق.

سدّد الأمانات

وروى محمد بن إبراهيم الحميضي في النبذة التي كتبها عن والده ومنها، استفدت أن والدي بعد الكارثة رحل إلى الأحساء ومعه ما تبقى من الفضة، ويصاحبه في رحلته هذه صديقه إبراهيم الموسى، وباع هذه الفضة واقترض مبلغاً من أهالي الأحساء ثم رجع إلى الخبر، كل هذا لسداد ما عليه من أمانات مودعة، وأحضر مصحفاً ودفتراً، واجتمع الذين كانوا قد أودعوا عند الوالد النقود وطلب من كل شخص الحلف على المصحف بأن له مبلغ من المال، وسجل كلٌّ باسمه، وبهذا أرجع كل الأمانات وبرئت ذمته وهذا من احتياطه وورعه الفائق، مع أنه لم يفرط في هذه الأموال.

والحميضي وهو التاجر الأمين الصادق حافظ على سمعته، والله يعلم ما في قلبه، لهذا عوضه الله بأفضل مما خسره بأن فتح الله عليه أبواباً كثيرة في الرزق، وبارك الله فيما أعطاه مما سوف نذكره وقديماً قالوا: «النية مطية».

تسخير وتعويض

ومن تعويض الله لإبراهيم الحميضي -رحمه الله- أن جاءه مهندس أميركي من شركة أرامكو قائلاً: أنا سمعت عن أمانتك، وأنا أعلم أن بعض الموظفين والعمال قد أخذوا زيادة على حقوقهم، وأنا أريد عونك وانتشالك من هذه الخسارة، وكرّر إعجابه وانبهاره بأخلاق الحميضي ومثاليته النادرة الفذة، وعرض عليه أن يكون أحد المقاولين بشركة أرامكو بتوريد الأغذية للشركة، وقد أقبل الفرج من الله من حيث لا يحتسب ولا يخطر على باله، ومن تسخير الله للحميضي بعد الكارثة التي وقعت عليه أن قام هذا المهندس الأميركي بتقديم أوراقه إلى الشركة مقدماً مناقصة توريد أغذية لشركة أرامكو، ومن فضل الله عليه أن رست المناقصة على الحميضي وهكذا استرد قواه في السوق.

وكان إبراهيم الحميضي عدواً لليأس والقنوط صديقاً للتفاؤل ومستبشراً بالخير، وهو كذلك جريء ومبادر لأي فرصة تجارية إذا اقتنع بها، فغيّر نشاطه التجاري من توريد الأغذية إلى التشغيل والصيانة في شركة أرامكو مشاركاً رجل أعمال اسمه إبراهيم المحيميد، لكن لم تكن الأرباح كما يطمح الحميضي، وأشار عليه صديقه هذا بالاتجار بالمعدات فهي مربحة، وكانت نعم المشورة والرأي السديد والطريق التجاري الناجح، فاشترى معدات كثيرة.

من كبار المقاولين

ودخل إبراهيم الحميضي -رحمه الله- عالم المقاولات في شركة أرامكو، وتحديداً في المقاولات الإنشائية في المنطقة الشرقية، وبارك الله في نشاطه التجاري وفتح الله عليه وكسب مكاسب جيدة مالياً.

وتعددت أشغال الحميضي في المنطقة الشرقية ونال سمعة تجارية ممتازة وتعاقدت معه وزارة المواصلات عبر عدة مناقصات، وكانت قد أرست عليه تأسيس الموانئ وأعمال الردم، وأرست مشروعات الطرق والأرصفة والإنارة في المنطقة الشرقية، وأرست أمانة المنطقة الشرقية عليه هذه المشروعات وقد عاصر أمناء المنطقة وعرفهم على مدى عدة عقود.

وأصبحت مؤسسة الحميضي إحدى المؤسسات الوطنية المعروفة الكبرى التي تنوعت أنشطتها من تأسيس وتعبيد الطرق، بل عمل مع المؤسسة العامة للسكك الحديد في أعمال صيانة خط الدمام الرياض، وكان في قمة حيويته ونشاطه، ويذكر ابنه محمد في نبذته عن والده: كان يقطع بسيارته مسافات 150 ألف كيلو متر وأكثر في العام لتفقد المشروعات ومتابعتها أول بأول منذ الصباح الباكر حتى غروب الشمس، خاصةً أيام الصيف يكون النهار ما يقارب ستة عشر ساعة وحرارة ملتهبة.

همة وقوة

وقد عاود إبراهيم الحميضي -رحمه الله- مرة أخرى نشاطاً تجارياً ولديه خبره سابقة فيه ألا وهو مقاولة أعمال الشحن والتفريغ في موانئ المنطقة والأمن والحراسة، فأقبل على هذا النشاط بهمة وقوة وجودة وإتقان، وكان الذي عرضه عليه هذا المشروع رجل الأعمال عبدالله كانو، فكانت كل الموانئ على الساحل من الخفجي حتى الخبر تشغلها مؤسسته التجارية للشحن والتفريغ، ولأن شركة كانو كانت وكيلة للسفن في ذلك الزمن، وكانت الواردات للمملكة على هذا الساحل الشرقي بنسبة تشكل 42 %، وكانت فرص وظيفية للسعوديين وغيرهم في العمل مع إبراهيم الحميضي، ولعله من أكبر العقود التجارية يوقع بين شركة كانو وبين مؤسسة الحميضي، بل وأضخم اتفاقية، ولم يترك الحميضي التعاقد مع أمانة الدمام بل استمرت أعماله مع نشاطه التجاري في الموانئ، فكان سفلتة الشوارع مهمته في الدمام والقطيف، وأسس مصنعاً للأسفلت وهو من أوائل المصانع، وغيرها من الأعمال المساندة لنشاطه التجاري.

أحبَّ الإحسان

ومن تلك اللحظة التي أعطى كل ذي حقه في حادثة الحريق واثقاً من حلف الموظفين الذين أودعوا أموالهم عنده، عُرفت قصة الحميضي واشتهرت أخلاقه الراقية، كان سمح النفس، وسماحة النفس من أجل وأنبل خصال الرجال، فكان سمحاً مع الناس الذين يتعاملون معه، خاصةً في العمل التجاري، ومن تلك المواقف هو أن أحد التجار كان مستأجراً من الحميضي محلات تجارية بمبلغ 300 ألف ريال، ووضّح التاجر ظروفه وأنه لا يستطيع دفع المبلغ، فتنازل الحميضي عن حقه من الإيجار وهو مبلغ ضخم قبل أربعة عقود.

هذه من مآثر الحميضي وخصاله الفائقة ومثاليته في التعامل التجاري، فالتاجر يمكن أن يستوفي حقوقه عن طريق المحاكم الشرعية والأنظمة والقوانين، لكن هناك شيء كبير وهو الخلق والمرونة والتسامح وإعطاء الفرصة بعد الأخرى لاستيفاء الحقوق، وأحياناً التنازل عن الحق كله، ومواقف النبل والمروءة والشهامة من إبراهيم الحميضي ليست قليلة، ولو لم يكن له إلاّ موقفه الكبير مع عملائه الذين أودعوا أموالهم عنده ثم وقعت كارثة الحريق وضمن لهم أموالهم لكفاه.

وبتاريخ 10 /11 /1408هـ غادر إبراهيم الحميضي الرجل الجواد باذل المعروف والإحسان هذه العاجلة ودفن في مقبرة الدمام بعدما أعقب خلفه حياة ثانية خالدة وهي الذكر الطيب، فرحمه الله وغفر له، أشكر د. عبد الله الشعلان على تواصله معي بشأن هذه السيرة، والشكر موصول لابنه محمد بن إبراهيم الحميضي على تزويدي بسيرة والده.

الحميضي تنوعت نشاطاته وكسب السمعة الطيبة
شكر شركة الزيت العربية الأميركية للحميضي على أعماله في مجال المقاولات
وُلد إبراهيم بن محمد الحميضي في القصب عام 1338هـ
إبراهيم الحميضي بدأ التجارة من ميناء الخبر