كما حدث للقراءة التي أصبحت متاحة وضرورية لكل البشر، لأنها تشكلت وتلونت بأكثر من شكل ولون، وتعددت أهدافها واستخداماتها، فكما هناك قراءة للصحف والكتب، هناك قراءات أخرى كقراءة الواقع وقراءة الخصم وقراءة الوجوه والكثير الكثير من القراءات المتعددة، كما حدث للقراءة، حدث تماماً للكتابة.

لقد سلكت الكتابة نفس المصير الذي اختارته القراءة، ولم تعد حكراً على فئة أو طبقة ما، ودخل الكثير من المنافسين والمزاحمين للكتّاب والمتخصصين بهذه الحرفة الأصيلة. الآن، الكل يكتب، بل الكل مضطر بشكل أو بآخر للكتابة، فقد أصبحت الكتابة في عصر الاتصال المعرفي والتقني وفي عالم التواصل الاجتماعي والإعلامي، قدر لا فرار أو هروب منه.

منذ عقدين تقريباً، تغيرت الكثير من القواعد والتفاصيل في حياتنا، ومنها الكتابة التي كانت تُمارس بشكل بيني يربط الكاتب/ المرسل بالطرف الآخر وهو القارئ/ المستقبل. الآن، اختلطت المهام وتداخلت الاستخدامات وتماهت الأهداف، فالكل يكتب تماماً كما يقرأ الكل، وأصبحت الكتابة بمختلف أشكالها ومستوياتها، رغبة أكيدة وضرورة ملحة في حياة كل البشر.

في هذا العصر الذي تُسيطر عليه مواقع التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام الجديد، تحوّل كل منا إلى "كاتب" يُمارس التغريد والتعليق والرد، بل وفي كثير من الأحيان هو من يُبادر بالكتابة عن أهدافه وأحلامه وآماله، وعن مشاعره وشجونه وهمومه.

قبل مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، كانت الكتابة مهنة باذخة تُمارسها النخب الثقافية والأدبية والإعلامية، أما الآن فهناك المليارات من البشر الذين يُمارسون الكتابة بمختلف ألوانها ومستوياتها المتعددة والمتنوعة.