قبل سنوات قلائل مضت وتحديداً قبل البدء بمشروع التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام في الجهة الشمالية للحرم، كانت هناك العديد من الأحياء الشعبية القريبة من المسجد الحرام، والتي احتضنت بين مبانيها مقرات لجهات حكومية وكتاتيب ومدارس، وتميزت منازلها المبنية بالحجر والطين في أزقة ضيقة بالرواشين التي تمثل جمال العمارة بمكة المكرمة، وعن بعض تلك الأحياء يأخذنا الدكتور فوزي بن محمد بن عبده ساعاتي، الأستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، في جولة عبر كتابه (حارة الشامية والحارات المجاورة لها "القرارة، والفلق، والنقا، والشبيكة، وحارة الباب)، وقبل أن يتحدث عن حي الشامية يوضح لنا ما تضمه الجهة الشمالية من الكعبة المشرفة من آثار منها "الميزاب، حجر إسماعيل (الحطيم ، قبور عذارى بني إسماعيل)، دار الندوة (مجلس الملأ)، المقام الحنفي، الحصوات، مكبرية الحرم المكي، مئذنة باب جبل قعيقعان، الرواق العثماني (السقائف، الحرم القديم)، دكة شيخ الحرم (دكة باب زيادة، دكة الوالي)، وأبواب الجانب الشمالي للكعبة المشرفة والمسجد الحرام (الرواق العثماني)، والأسواق التجارية شمال المسجد الحرام (سوق الصغير، سوق الشبيكة، وسوق سويقة "باب زيادة") .

ومع رحلته عبر أزقة الحي والأحياء القريبة منه، يوقفنا المؤلف على جبل قيقعان الواقع في الجهة الغربية في مكة المكرمة على ارتفاع 430 متراً، مبينا أنه "أطلق عليه هذا الاسم لحكاية أصوات (القعقة) السلاح الذي كان به عند تحريكه"، ولم يهمل المؤلف الدُور التي كانت موجودة فبين أن هناك "دار العجلة الواقعة بالجزء المنتهي من جبل قيقعان من جهة قاعة الشفاء"، وهو كــ"نادٍ كانت تجتمع فيه سيدات مكة من قبيلة قريش وغني وربيعة وغافق وسواهن، للنقاش وإبداء الرأي فيما بينهن في أمور التجارة، وكان النادي هو المكان الذي يعلن منه أنباء الخطوبة والزواج، بالإضافة إلى إعلانهن عن ختان الأطفال وبلوغ الفتيات، وكان لا يعقد أمر مهم إلا بها"، ودار الخشني التي بناها عبدالله بن الزبير -رضي الله عنه- بسفح جبل قعيقعان، ودار الزنج وهي إحدى الدور الثلاث التي شيدها عبدالله بن الزبير رضي الله عنه بأسفل جبل قعيقعان، وغيرها من الدور.

وتحدث المؤلف عن قلعة جبل قعيقعان المقابلة لباب العمرة من الناحية الشمالية الغربية، موضحاً أنها بنيت في عهد الشريف غلاب بن مساعد، وفي "العهد السعودي أسست بها مدرسة ابتدائية سنة 1345 هــ/ 1926م، وفي عام 1357 هــ/ 1939م انتقلت مدرسة تحضير البعثات والمعهد العلمي السعودي بعد دمجهما في إدارة واحدة إلى مبنى القلعة بجبل قعيقعان (هندي) بحارة الشامية، وفي عام 1369 هــ/ 1949م استخدم جزء منها لمبنى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ثم استخدم مبناها مركزاً لأول إذاعة في العهد السعودي هي إذاعة "هنا مكة المكرمة" في يوم عرفات لعام 1368هــ 1948م".

واختتم الدكتور فوزي ساعاتي مؤلفه بالحديث عن الحياة الاجتماعية في حي الشامية متناولاً الصناعات والمهنة وأربابها.

أحمد صالح حلبي