يُشير مفهوم الصناعة التحويلية إلى عملية معالجة المواد الخام من أجل تحويلها إلى سلع تامّة الصنع، وذلك بوسائل مختلفة وطرقٍ متعددة منها استخدام الأيدي العاملة والمعدات الآلية وعمليات المعالجة الكيميائية. وتعد الصناعة التحويلية أحد الأنواع الرئيسة في العمليات الصناعية، حيث تبدأ عمليات التصنيع بتقييم المنتج من حيث جدواه ومدى رواجه وتقبله لدى المستخدم النهائي المستفيد ثم يُشرع بعدئذٍ بتصميم المُنتج واختيار المواد الأوليّة اللازمة لتصنيعه حيث تُجرى حينه عمليات المعالجة المُختلفة بهدف تصنيع المُنتج النهائي، وبعدها يُمكن بيع المُنتجات مباشرةً إلى المُستهلك، أو إلى تُجّار الجملة ليقوموا بتوزيعها على تُجّار التجزئة، أو تقديمها إلى جهات تصنيع أخرى من أجل تدويره في سلاسل مُنتجات أخرى تكون أفضل تطويرًا وأوسع انتشارًا وأكثر استخدامًا. ولكن قبل أن تتم هذه العمليات هناك عمليات أخرى تسبقها وهي العمليات الاستخراجية التي تعتمد على مبدأ استخراج المواد الخام والثروات الطبيعية؛ كالنفط، والذهب، والماس واليورانيوم والنحاس، والمعادن الأخرى من باطن الأرض. وتُقسم الصناعات الاستخراجية إلى قطاعي التعدين والنفط والغاز، ويكمن الفرق بين الصناعات الاستخراجية والتحويلية في أن الصناعات الاستخراجية تعتمد على استخراج المواد الخام والثروات الطبيعية من باطن الأرض باستخدام عدة عمليات؛ كالحفر والضخ والتعدين وغيرها، ومن ثم يتم تكرير تلك المنتجات لاستخدامها في الصناعات المختلفة التحويلية التي تعتمد على عملية تحويل المواد الخام إلى منتج مُصنَّعٍ جاهز للاستخدام.

وبالنسبة للمملكة فإن نشاط الصناعات التحويلية يتكون من قطاع تكرير الزيوت، إضافة إلى صناعة المنتجات الغذائية والمشروبات وصناعة الأخشاب والمنسوجات والأثاث وصناعة الورق والأدوية والمواد الكيميائية والصيدلانية ومنتجات المطاط واللدائن وغيرها. ومن أهم الصناعات في المملكة تلك المرتبطة بالتعدين إذ من المعروف أن المملكة واسعة الأرجاء مترامية الأطرف فلا شك أن هذه المساحات الشاسعة تضم بين طبقاتها الكثير والعديد من الثروات المعدنية النفيسة مثل الذهب والفضة والبلاتين، كما تشمل النحاس والزنك والرصاص والقصدير والألمنيوم والنيكل والكروم والتنجستين والكوبالت، وكذلك العناصر الأرضية النادرة مثل اليورانيوم والزركونيوم والبريليوم والمغنسيوم والكادميوم والزئبق.

فقد كشفت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية "مدن"، عن ارتفاع أعداد مصانع المنتجات المعدنية بمدنها الصناعية إلى أكثر من 1290 مصنعًا بنهاية العام 2020م، ولقد جاء ذلك، على هامش مشاركتها في مؤتمر "التعدين الدولي"، الذي نظمته وزارة الصناعة والثروة المعدنية تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - يحفظه الله -، خلال الفترة من 11 - 13 يناير 2022م بمدينة الرياض بمشاركة عدد كبير من كبار المستثمرين العالميين والمتحدثين الدوليين البارزين، بينهم عدد من الوزراء المعنيين بقطاع التعدين وقادة الاستثمار التعديني على مستوى العالم، إضافة إلى قادة القطاعات المالية، ورؤساء كبريات شركات التعدين من مختلف دول العالم، وقد استعرضت "مدن" منظومة الصناعات المعدنية بالمدن الصناعية والخدمات والمنتجات التي تسهم في تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية. كما أن "مدن" تملك منظومة خدمية متطورة ومقوّمات تشغيلية وإجرائية محفزّة جعلتها بيئة حاضنة للاستثمارات المحلية والعالمية ذات القيمة المضافة ضمن إستراتيجيتها لتمكين الصناعة والإسهام في زيادة المحتوى المحلي تماشيًا مع رؤية المملكة 2030، وفي إطار المبادرات المسندة إليها في برنامج تطوير الصناعات التحويلية الوطنية كما تسهم في تعزيز دور قطاع التعدين والصناعات المعدنية في الاقتصاد الوطني بوصفه الركيزة الثالثة لتطوير الصناعة السعودية اتساقًا مع أهداف رؤية المملكة 2030، حيث نجحت في رفع أعداد مصانع المنتجات المعدنية بالمدن الصناعية إلى أكثر من 1290 مصنعاً بنهاية العام 2020م. ومن المعروف أن الصناعات المعدنية بالمدن الصناعية تتنوع بين المعادن المُشكَّلة باستثناء الآلات والمعدات بإجمالي 846 مصنعاً، ومنتجات المعادن اللافلزية الأخرى بعدد 450 مصنعًا موزعة على أنحاء المملكة كافة، وتسهم في الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية في المناطق والمدن الواعدة التي توجد بها، فضلاً عن توفير الفرص الوظيفية لأبناء وبنات الوطن.

إن تنامي الإقبال على الاستثمار بالمدن الصناعية يرجع إلى حرص "مدن" على التكامل مع منظومة الصناعة والثروة المعدنية، والقطاعين العام والخاص لتهيئة مجتمع صناعي متكامل يواكب متطلبات التنمية المستدامة التي تنشدها المملكة وترنو إلى تحقيقها وذلك من خلال بيئة استثمارية نموذجية توفر أفضل المنتجات والخدمات الصناعية بجانب البنية الرقمية المتقدمة التي تضمن تسهيل الإجراءات، واختصار الوقت اللازم لبدء الأنشطة الإنتاجية، مع تقليل التكلفة التشغيلية على المستثمرين.

وبحسب رصد استند إلى بيانات رسمية، استطاع نشاط الصناعات التحويلية في المملكة التعافي من آثار جائحة كورونا بعد تسجيله ناتجًا تجاوز مستويات ما قبل الجائحة، إذ نما القطاع بنحو 0.7 % مقارنة بالمستويات المسجلة في الربع الثاني من عام 2019 البالغة 76.17 مليار ريال، في حين ارتفعت نسبة مشاركة نشاط الصناعات التحويلية في الاقتصاد السعودي خلال الربع الثاني إلى 13 %، بحسب الأسعار الثابتة، مقارنة بنحو 11.3 % للفترة المماثلة من العام الماضي.

وخلال شهر مارس الماضي أطلقت المملكة برنامج "صنع في السعودية" الذي يهدف إلى دعم المنتجات والخدمات الوطنية على المستويين المحلي والعالمي، ويأتي البرنامج من منطلق الاهتمام بدعم المنتج الوطني وتعزيز دوره، خاصة أن المنتجات الوطنية السعودية تتمتع بجودة عالية وتنافسية كبيرة على المستويين الإقليمي والعالمي، إضافة إلى التأكيد على زيادة الوعي والثقة بالمنتج الوطني وأن التصنيع سيبقى مُستمرًا لتطوير سبل المعيشة ودعم الاقتصاد الوطني وتحسين جودة الحياة.

  • جامعة الملك سعود