وباءُ الكورونا يجتاح اليوم معظم كوكب الأَرض، فتتأَجَّل أَنشطة وتُلغى احتفالات خشيةَ تَفَشّي هذا الوباء أَكثَر في صُفُوف الناس الخائفين الـمُحاذرين المحجورين. وقد تنقضي هذه الجائحة بعد حين، مهما طالت إِقامتُها، فتمحوها ذاكرة الأَيام ويعود الناس إِلى حياتهم اليومية ويغمر النسيان كوارث تلك الجائحة ومآسيها وتردُّداتها القاسية.

واستمرار الجائحة الكورونية طويلًا بيننا حاليًّا ليس يعني أَنْ لا سوابق لها. فالتاريخ حافلٌ بأَوبئةٍ وجوائحَ أَكثرَ شراسةً وغموضًا وافتراسًا ملايينَ لم يتمكَّنوا في زمانهم من بلوغ اللقاحات والعلاجات والتدابير الوقائية.

غير أَن الخوارق والفواجع تمضي، والجوائح والأَمراض تزول، وتنقضي المصائب والحروب والفتن، إِنما تبقى أَصداؤُها تتردَّد في قصيدةٍ، في لوحة، في تمثال، في سمفونيا، في مسرحية، في فيلم، ... وتظلُّ ماثلةً في ذاكرة المستقبل عبْر الآثار الأَدبية والفنية.

  1. في ذاكرة التاريخ

بين أَبرز الجوائح التي خلَّفت أَزمات وضحايا ومشوَّهين جسديًّا ونفسيًّا: طاعون أَسْوَد هشَّم أُوروﭘـا وآسيا وشمالي أَفريقيا بين عامَي 1347 و1351م. وكان أَشرسَ وَباء عرفته البشرية حتى تلك الفترة، سبَّبَ موت الملايين. ومنه: "طاعون يوستينيانوس" الذي ضرب الأَمبراطورية البيزنطية بين عامَي451 و452م. مجتاحًا القسطنطينِيَّة، مبيدًا ربع سكان البلاد، مصيبًا يوستينيانوس فسُمِّيَ الوباء باسمه.

وقبله كان "الطاعون الأَنطونيوني" بين عامَي 165 و180م. وسُمِّيَ هكذا نسبة إِلى مارك أَنطونيو. فتَك بالبلاد سنواتٍ جعلَها في مآتم ونُواح متواصل.

ومن تلك الأَنواع الشرسة: "طاعون أَثينا" (429 - 427 ق.م.). كان مزيجًا من التيفوس والتيفوئيد والحمَّى الخبيثة، وبلغَت قسْوتُه أَنْ خرج الناس على القوانين لشدَّة معاناتهم يأْسًا ورعبًا. انتقل من الحبشة إِلى مصر فليبيا حتى أَثينا فيما كانت سبارطة تحاصرها، فقضى على ثلث المدينة (نحو 200 أَلف نسمة) وكانت بداية سقوط أَثينا.

  1. في ذاكرة الفن التشكيلي

تلك الجوائح، بعد انقضائها، أَبقتْها في الذاكرة أَعمالٌ إِبداعية. فجائحة طاعون أَثينا ماثلةٌ في لوحة "الطاعون في أَثينا" (1635) للرسام الفرنسي فرنسوا ﭘـيريـيـه (1594-1649) مؤَسس الأَكاديميا الملكية للرسم والنحت في القرن السابع عشر.

ومن تلك الآثار الفنية: لوحة "الطاعون في روما" (1869) للفرنسي جول دولوناي Delaunay، ولوحة "الفِلِسْتِيُّون في الطاعون" (1630) للفرنسي نيكولا ﭘـوسّان Poussin، ولوحة "الطاعون في أَثينا" (1652) للفْلامَندي مايكل سْوِيرْتْسSweerts، ولوحة "الطاعون في مرسيليا" (1720) للفرنسي ميشال سير Serres، ولوحة "دوق أُورليان يزور مرضى الكوليرا" (1832) للفرنسي أَلفرد جوهانو Johannot.

  1. في ذاكرة الأَدب

وفي روائع الأَدب ذاكرةٌ لجوائح ضربَت الكرة الأَرضية في مراحل منها كثيرة، فمضَت الجائحة وبقيَ الأَثر الأَدبي.

مع انتشار الكورونا وباءً عالميًّا منذ أَكثر من سنتين، راج الإِقبال على رواية أَلبر كامو Camus "الطاعون" (1947) عن هذا الوباء الذي ضرب مدينة وهران الجزائرية سنة 1944. وساهمت هذه الرواية في نيل كاتبها جائزة "نوبل" للأَدب (1957).

والتاريخ غنيٌّ بدَور الأَدب والفن تسجيلًا وقائعَ كبرى في العالم، وتخليدَها في أَثرٍ دائم، كأَوبئة كالجدري والطاعون والكوليرا والسلّ والإِنفلونزا الإِســانية وحُمَّى الإِبُولى، وهي فتكَت بالشعوب في بلدانِ انتشارها أَو عمَّت الكوكب كلَّه كما الكورونا حاليًّا.

من الآثار الأَدبيَّة ما صدَر عن وباء الكوليرا: فصل كامل في رواية ﭬـيكتور هوغو "البؤَساء" (1862) عن انتشار وباء الكوليرا سنة 1832 في ﭘـاريس، وكرَّس له يُوجين سوSue روايتَه "اليهودي التائه" (1844)، وذكَرَهُ شاتوبريان في مذكِّرات "أَبعد من القبر" (1849)، وخصَّص له غوستاف فلوبير Flaubert قصتَه "القلب البسيط" (1877)، وتوماس مان Mann روايتَه "الموت في البندقية" (1913)، وجوزف دِلْتيل Delteil روايتَه "كوليرا" (1923)، وجورج دوهاميلDuhamel روايتَه "الأَمير جَفَّار" (1926)، وغبريال غارثيا مركيز روايتَه "الحب في زمن الكوليرا" (1985).

وللطاعون حضور، كليّ أَو جزئي، كما في رواية البريطانية ماري شيليShelley "الرجل الأَخير" (1826)، ورواية الأَميركي جاك لندن "الطاعون القُرمزي" (1912)، ورواية الأَميركي الآخَر ستيفن كنغ "الوباء" (1978)، ورواية الكَنَدية إِمِلي مِنْدِل "المحطة الحادية عشرة" (2014) التي ختمتْها بعبارة: "انفجر الوباء حتى عمَّ الكرة الأَرضية كما قنبلة نيترونية، فباتت الأَرض كلُّها دمارًا كارثيًّا هائلًا يعجز عنه كل وصف بقلم أَو بريشة".

  1. ذاكرة القلم والريشة

هكذا: في ذاكرة الأَدب والفن ومُبدِعِيهما، تزول الكوارث برغم اتساع انتشارها وآلاف ضحاياها، وتبقى في الزمان بين ذاكرةِ رواية وأَلوانِ لوحة، فتَدخل عمْقَ الوجدان الإِنساني، وقد تَبلغ حدودَ الأَسْطَرَة والخيال الروائي.

وهكذا: من وباء مُميتٍ تُولدُ روائعُ إِبداعية في نُصوصٍ أَدبية أَو أَعمالٍ تشكيلية يُبدعها خلَّاقون يَغيبون فتبقى للإِنسانية آثارُهم في ذاكرة الأَجيال كلَّما انتشَر في الأَرض وباءٌ يُهدِّد البشرية بضحاياه. وحين يغيب الوباء تُشرق شموس بعد غُروب الضحايا لكنها تبقى للتاريخ أَعمالًا خالدةً تخُطُّها يراعةُ كاتبٍ مبدعٍ أَو ريشةُ رسامٍ عبقريّ.

لوحة "الطاعون في روما"