كان لدي صديق يعمل في إحدى الوزارات بدولة عربية، وتم تكليفه بالعمل ضمن فريق لتنظيم مشاركة بلاده كضيف شرف في معرض الكتاب في طوكيو. تصادف أن هذا الصديق كان عليه أن يعمل تحت إشراف مدير استثنائي لكنه شديد الإلحاح وكثير الاتصالات والمتابعات إلى أدق التفاصيل دون مراعاة لأي وقت في عز الظهيرة أو أنصاف الليالي. استمر هذا الوضع لفترة من الزمن مما وضع صديقي تحت ضغوط نفسية رهيبة أثرت على صحته النفسية والبدنية. ولكي يتجاوز تلك الفترة العصيبة، قرر ذلك الصديق أن يغير اسم مديره في الجوال إلى (أزمة وتعدّي).

فعلاً انتهت المشاركة بنجاح، ولست متأكداً أن كان ذلك الصديق قد قام بتغيير اسم مديره بعدها، لكن ما أعرفه أن ذلك النجاح قاد إلى مشاركات كثيرة مشابهة في دول أخرى وساهم صديقي مع مديره وبقية أعضاء الفريق في نجاحها.

في الواقع، أحرص في جميع المقابلات الشخصية التي أجريها على أن أؤكد على أنني أحترم التوازن بين الحياة والعمل، وأحب أن يأتي الموظف من الصباح لينتهي من عمله مع نهاية الدوام. ولا أحب التواصل مع الموظفين في الإجازات وخارج أوقات الدوام ولا أحب أن يتواصل معي أحد إلا في الحالات الضرورية التي تستدعي ذلك، لأنني أؤمن أن الموظف الذي يقضي وقتاً جيداً ليعتني بأسرته وصحته ومع أصدقائه ويمارس هواياته سيعود بحماسة إلى العمل وهو مشحون بطاقة إيجابية بعكس الموظف الذي يتم استهلاك طاقته وإتلاف أعصابه آناء الليل وأطراف النهار.

ولست هنا أنادي إلى إهمال مصلحة المنظمة وتقديم مثاليات التوازن بين الحياة والعمل، فالنجاحات تقود إلى شعور بالرضا وتحفيز للموظف والمنظمة إلى المزيد من الإنجازات والعطاء. ولا يوجد مدير يقبل بموظف يهمل ولا يحرص على الإنجاز والإتقان ولا يرد على الاتصالات والرسائل في الأوقات الطارئة.

ولست أزعم الكمال، فمن المؤسف أن أجد نفسي أحياناً مضطراً للتواصل مع فريق العمل في أوقات متأخرة. ولكن نصيحتي لكل مسؤول بمراعاة النقاط التالية في مثل هذه الحالات التي يحتاج فيها للتواصل مع موظفيه في الإجازات أو ساعات متأخرة:

أن يكون الموضوع فعلاً مستعجلاً ومهماً ولا يقبل التأخير.

الاعتذار للموظف عن التواصل في مثل هذه الأوقات.

الحرص على خلق آلية وأسلوب عمل يقللان من الحاجة للتواصل في مثل هذه الأوقات.

شكر الموظف المتعاون وتعويضه وتقدير جهوده في الترقيات والتقييم السنوي والعلاوات وطلبات الاستئذان وغيرها من المكافآت والحوافز.

وباختصار، يقول أرسطو: "علينا أن نحرر أنفسنا من الأمل بأن البحر سيهدأ يوماً ما، علينا أن نتعلم الإبحار وسط الأمواج العاتية". مهما اضطررنا أحياناً لنتواصل ونعمل مع فرقنا في الإجازات وأوقات متأخرة، فمن المهم العمل على ترسيخ ثقافة إنجاز المهام والتواصل خلال ساعات العمل على مستوى المنظمة وتقدير وتعويض الموظفين الذين تضطرهم الظروف الطارئة للعمل خارج أوقات الدوام والإجازات لأن الأساس يجب أن يكون دوماً هو التوازن بين الحياة والعمل وليس العكس.

ولا أعتقد أن هنالك أي مدير يريد أن يرى موظفيه يسمونه في جوالاتهم: (أزمة وتعدي..).