مرّت في الشهر الماضي - 16 جمادى الأولى - ذكرى وفاة حسن بن عبدالله آل الشيخ -رحمه الله- الذي توفي عام 1407هـ، وقد مضى على وفاته 36 عاماً، وهذه الشخصية الوطنية هي إحدى الشخصيات التي يفخر الوطن بها، وهو رجل دولة ورجل علم وأدب وثقافة وإنسانية وصاحب قلم، وهو خطيب، فقد وهبه الله الارتجال والتأثير في مستمعه، كان اسم حسن آل الشيخ يتردد كثيراً في الأوساط العامة والخاصة، وهذا الذكر الطيب الذي اكتسبه والثناء والحمد والشكر من الناس لم يكن مجرد مجاملات، بل إن آل الشيخ قد فتح قلبه لكل من لجأ إليه في حاجة أياً كانت هذه الحاجة، سواء هي عنده في وزارته، أم في دائرة أخرى من الدوائر الحكومية، أو حاجته في مكان آخر، فلم يكن في قاموس حسن آل الشيخ لفظة "لا"، وإذا كانت مكارم الأخلاق جسداً تمشي على الأرض فحسن يمثل هذا الجسد، فلقد كان آية في هذه المكارم والشيم والسجايا والشمائل، فخدمة الناس كلهم أياً كانوا كانت من صفاته التي لا تتغير منذ أن استلم وزارة المعارف وهو شاب عام 1382هـ، فحياته في ذاكرة محبيه وعارفيه حية لم تمت، وهو شمس لم تغب، غاب جسده وظلت ذكراه تعيش بيننا، تعيش بمواقفه النبيلة، فقد سعد حسن آل الشيخ في حياته حينما سخر مكانته ووجاهته لنفع المواطنين وغيرهم، ونرجو من الله عز وجل أن تكون حياته البرزخية سعيدة، فقد أسعد من لجأ إليه من الناس.

وُلد حسن بن عبدالله بن حسن آل الشيخ في المدينة المنورة عام 1353هـ، ونشأ في بيت علم، فوالده عبدالله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة بالمنطقة الغربية، ولا شك أن لوالده عليه تأثيراً إيجابياً، فقد عاش صباه وطفولته وشبابه في هذا البيت العلمي.

تأثير الأب

وكتب حسن آل الشيخ -رحمه الله- مقالة عن والده عندما توفي، وكانت كلماته عن والده عظيمة الأثر ودالة على تأثره بأخلاقه، وذكر أنه كان يقرأ عليه لما ضعف بصر والده، وعندما عدد الكثير من صفاته قال: علّمنا دروساً كريمة نبيلة، وقال لي يوماً ويده اليمنى يتخلل بأصابعها لحيته البيضاء -طيب الله ثراه- قال: اسمع يا بني لا تحاول يوماً أن تنتصر لنفسك، فإنك إن كنت على حق فسيدفع الله عنك، وإن لم تكن عليه فليكن حديثهم عنك دافعاً لك إلى العودة إلى الحق الذي لا ينبغي لك مجاوزته، ومن وصايا والد الشيخ حسن لابنه حسن وبقية أخوانه قائلاً: كان يعلمنا الإخلاص في العمل ويقول أخلصوا في أداء ما أنيط بكم من أعمال -انتهى من كتاب مشاهير علماء نجد وغيرهم- وتأثير والده كان كبيراً جداً وظاهراً من الالتزام بدينه وقيمه ومبادئه، وهكذا كان حسن آل الشيخ في مسيرة حياته القصيرة العامرة الحافلة ثابتاً ثبوت الجبال على هذه القيم والأخلاق الفاضلة، وكانت هذه الأخلاق طبعاً وسلوكاً وليست تصنعاً، فقد رزقه الله الحلم والرأفة والشفقة والعاطفة والمروءة والشهامة وطيب النفس وعذوبة الحديث ورقي الأخلاق وطاهرة القلب، مع حكمة في الرأي وسداد في المقال وكلام فيما يفيد، وقذف الله محبته في قلوب من يعرفه ومن سمع به، شرّق ذكره الطيب وغرّبت سمعته الحسنة بين الناس.

وزير المعارف

وتعلم حسن آل الشيخ -رحمه الله- في مكة بالمعهد العلمي السعودي ثم انضم إلى كلية الشريعة وتخرَّج منها، ثم عُيّن في رئاسة القضاء مع والده واستمر في عمله هذا حتى عُيّن في عهد الملك سعود -رحمه الله- وزيراً للمعارف، وكان عمره آنذاك 29 عاماً، وقد تعين بهذا المنصب القيادي والصرح التعليمي، فأدى الرسالة التي كلف بها بدعم ومساندة من ولاة الأمور.

ومنذ عام 1382هـ وهو العام الذي أسندت إليه وزارة المعارف وحسن آل الشيخ لم يدخر جهداً ووقتاً في تطوير التعليم بالمملكة، يقول د. عبد الرحمن الشبيلي -رحمه الله-: تنوعت السنوات التي تولى فيها أعباء وزارتي المعارف ثم التعليم العالي، نجاحات نوعية عديدة في قطاع التعليم من حيث تلبية متطلباته البشرية والصحية والإدارية واللوجستية، وأضاف د. الشبيلي قائلاً: حقق التوسع النوعي والكمي في برامج التعليم الفني ومحو الأمية وأوجد نواة للمجلس الأعلى للفنون والآداب، ويذكر أيضاً د. الشبيلي عن إنجازات حسن آل الشيخ في التعليم إن النجاح حالفه حينما تولى وزارة المعارف في التوسع الأفقي العريض في نشر مؤسسات التعليم العام وامتداده في كل الأنحاء المعزولة والمتناثرة والنائية في البوادي والواحات والجبال وفي الصحاري، كانت المدرسة الابتدائية في تلك الحقبة أول ما يقابل عابر الريف أو القرية أو الهجرة -انتهى من كتاب أعلام بلا إعلام-.

فكر وأسلوب

وسخر حسن آل الشيخ -رحمه الله- حياته الوظيفية في الارتقاء بالتعليم بمراحله الثلاث طيلة تسليمه وزارة المعارف 14 عاماً، فكان المسؤول عن التعليم في المملكة بكل مستوياته وكذلك التعليم الجامعي قبل إنشاء وزارة التعليم العالي، ثم تولى هذه الوزارة التعليم العالي وهي وزارة حديثة تأسست في عهد الملك خالد -رحمه الله- وظل في هذا المنصب حتى وفاته، وكانت هذه الوزارة هي المسؤولة عن الجامعات، وكذلك الابتعاث الخارجي، فلم يكن العمل الإداري جديد عليه في هذه الوزارة الحديثة، بل إن سابق تجاربه الإدارية الفذة وحنكته القيادية في قيادة وزارة المعارف كانت 14 عاماً مع تكليفه بوزارة الصحة أبان عهد الملك فيصل -رحمه الله-، فهو مدرسة في الإدارة، بل هو مدرسة في فكره وأسلوبه وتعامله وسلوكه وإرشاده ونصحه، وكان في الوزارات التي قادها بكفاءة وجدارة لا يستغني عن كل مشورة ورأي، فلم يكن يستبد برأيه، بل يأخذ بالشورى ويحبذ المقترحات والآراء التي تصب في التطوير والأداء الجيد المثمر وفي صالح العلم، وكان لا يقلل من أي رأي، وكان إيجابياً في إدارته، وإذا كانت ثمة ملاحظات على أحد فهو يعالجها بأسلوبه الحكيم الراقي السلس، فلم يكن كلامه وكتابته إلاّ بسلم يبعث في نفوس مستمعيه الراحة والهدوء والطمأنينة والقبول، فلم يكن كلامه يخالف فعله، في كل ما يتحدث به سواء في الوزارة، خاصةً عندما يوجه من تحت إدارته من مسؤولين بمسائل تتعلق بالعمل الإداري فكان بهذا القدوة الحسنة في الوزارة وخارجها.

أديب وكاتب

وحسن آل الشيخ -رحمه الله- مع أنه مشغول كوزير إلاّ أن الثقافة والأدب والفكر قد أخذ قسطاً كبيراً من حياته، وكان الكتاب والقلم والقرطاس أصدقاء له حتى آخر لحظة من حياته الموجزة، فقد كتب في النواحي الاجتماعية، ومشخصاً الداء ومقترحاً الدواء، يقول الإعلامي حمد القاضي رغم تخصص حسن دينياً وتأليفه كتباً في هذا المجال إلاّ أنه كان نهماً بالقراءة، كان يتابع الكثير مما ينشر في الصحف والمجالات والكتب -انتهى من كتاب الشيخ حسن لم يرحل لحمد القاضي-، وكتب في النواحي الفكرية والنقدية والأدبية بأسلوب سهل يفهمه كل قارئ قاصداً بهذا إيصال رسائله إلى كل الناس وليس رسالته خاصة، فقد كان يكتب للجميع، يكتب ليعالج داء قد استشرى في المجتمع، يكتب ليعزز من الثبات على القيم والأخلاق والشيم، وفي عنوان كتبه بعنوان ويبقى الخير حين يقول: كل الناس يدعون الإخلاص والوفاء لكن الذي يفعل ذلك هم قلائل؛ لأن الإدعاء شيء والممارسة شيء آخر والمخلص الوفي حينما يفعل ما اتصف به إنما يؤدي دوره الذي أراده الله له.

إنسان اجتماعي

وحسن آل الشيخ -رحمه الله- مصلح اجتماعي، داعي للفضيلة، محارب الرذيلة، هو إنسان اجتماعي يخالط الناس ويعرف مشاكلهم وهمومهم، وهو قريب من رجل الشارع، كان يستقبل كل أحد في مكتبه وفي منزله لا يفرق بين صغير أو كبير، فهو رجل عظيم لكنه زان عظمته بالتواضع ولين الجانب، وبهذا تعمق في نفوس الناس وخبر ماذا يفكرون فيه، وهموم الناس همه، وما يشغلهم يشغل فكره، وبهذا استخدم القلم لهدف نبيل وسامٍ ولأغراض مثمرة ونافعة؛ لأنه يعلم أن القلم يقيناً أمانة والكلمة مسؤولية، وألّف حسن عدة مؤلفات، فأول كتاب أصدره عام 1383هـ (دورنا في الكفاح) وكتاب (المرأة كيف عاملها الإسلام) وكتاب (كرامة الفرد في الإسلام) وكتاب (خواطر جريئة وخطوات على الطريق الطويل)، وكتاب (التنظيم القضائي) وقد طبعها كلها ابنه عبدالرحمن كاملة في طبعة فاخرة وهذا عمل يشكر عليه وهو من البر بالوالد بعد رحيله وما أحسنه من بر وإحسان.

كلمات خالدة

ولحسن آل الشيخ -رحمه الله- كلمات ومقالات وحكم صاغها عن تجربة وخبرة ودروس، فكانت ذاكرته وفكره يمليان عليه هذه الدرر والفرائد والعظات، نختار منها نماذج، وهي من ضمن مقالاته التي نشرها في الصحف والمجلات، فهو رجل يؤمن برسالة الإعلام، ولهذا كان يكتب ما يؤمن به منذ أن أمسك القلم، فكان قلمه يسهم بشكل واضح في الصحافة، وهو مثقف واسع الاطلاع وكان دائم القراءة متذوقاً للشعر،

ومقالاته مركزة ومحددة ولم يكن يستطرد في مقالاته، يحدد فكرته ويتكلم عليها بأسلوب في قمة الاختصار والفائدة بأسلوب أدبي رائع ومن هذه العبارات الحكيمة ما يلي: "عندما تعجب بخلق إنسان حاول أن تعمل مثله، وعندما تتأذى من خلق آخر حاول أن تهجر صنيعته"، "الإعجاب بالنفس والغرور بها أسرع طريق إلى الفشل والخيبة"، "صوتان لا توطن نفسك لسماعها صوت المديح الكاذب وصوت النقد المغرض الهدام"، "كلمة رائعة أذكرها دائماً: تقول لا تطلب من أحد أن يحبك بل اجعله يحبك"، "أقصى الأزمات ليست هي أزمة النقد، لكنها أزمة الثقة عندما تبحث عمن تثق به فلا تجده".

فاجعة الرحيل

هذا العمر الذي كتبه الله لحسن آل الشيخ -رحمه الله- كان قصيراً، لكنه طويل بالإنجازات التي حققها منذ أن عينته القيادة العليا وزيراً للمعارف حتى أصبح وزيراً للتعليم العالي، فشخصيته معطاءة واهبة نفسها لما فيه خدمة الدين والمليك والوطن والناس، فهو وإن رحل عنا لكنه أبقى عمراً طويلاً ومديداً لذكراه التي دائماً تتجدد في نفوس أهل الوفاء، وأحب الناس حسن آل الشيخ وهو بادلهم هذا الحب بصدق، كان سليم القلب طاهر النفس، يحسن الظن، يتعامل معهم بأخلاقه الراقية وبمثالية نادرة، لم يكن يرى في الناس إلاّ الجوانب المضيئة منهم والإيجابية فقط، ولأن نفسيته طيبة متفائلة فكانت نظراته للناس حسنة، كان رحيل حسن آل الشيخ فقداً كبيراً، وقد كتب الكثيرون في الصحف عن هذا الفقد، وأذكر تلك الأيام من 1407هـ في تاريخ السابع عشر من جمادى الأولى، وهو تاريخ الصلاة عليه صلاة الجنازة، ومنذ ذلك التاريخ والمراثي تملأ الصحف ذاكرة مناقبه ومشيدة بشيمه وخصائله وإنسانيته، وكم من مكروب لجأ إليه فنفّس كربته، وكم من مهموم بقضية أزعجته وأقلقته أزالها.

يقول المؤرخ الثقة الأديب أحمد السباعي: إن حسن آل الشيخ لا يحسن أن يقول لفظة "لا"، وهذه والله شيم كرام النفوس، ويروي حمد القاضي في كتابه عن حسن أنه كتب شفاعة في آخر يوم من دوامه في وزارة التعليم العالي يوم السبت السادس عشر من جمادي الأولى لعام 1407هـ وهي موجهة إلى رئيس تعليم البنات محمد بن عودة وشاء الله عز وجل أن تلبى رغبته في اليوم التالي وهو في قبره غفر الله له، وهذا من سعادته حياً وميتاً.

وفي الختام فإن حسن آل الشيخ مدرسة في الإدارة ومدرسة في الأخلاق والشيم الفاضلة ومدرسة في العطاء ومحبة الناس، وقد أُطلق شارع رئيسي داخل جامعة الملك سعود بالرياض باسمه تخليداً لذكراه.

ملاحظة: مصدر بعض الصور من كتاب (الشيخ حسن آل الشيخ الإنسان الذي لم يرحل) لحمد بن عبدالله القاضي.

حسن آل الشيخ مُفتتحاً معرضاً للكتب في جامعة الملك سعود
وُلد حسن آل الشيخ في المدينة المنورة عام 1353هـ
.. وهنا في شبابه
آخر شفاعة كتبها حسن آل الشيخ بخط يده
آل الشيخ مُلقياً كلمة في إحدى المناسبات
إعداد- صلاح الزامل