الموسم الدرامي السوري هذا العام كان حافلاً بالكثير من الأعمال المتنوعة، لكن معظم تلك الأعمال برأي المراقبين لم ترتق إلى مستوى الصناعة الفنية الراقية المعهودة، حيث ذهبت الكثير من الأعمال باتجاه التكرار والتقليد والمحاكاة والتشابه مما اثر على سويتها وجماليتها و تسويقها، ولعل شركات الإنتاج السورية أدركت هذا العام بأنها وقعت في فخ الاستسهال بعد تهميش الكثير من أعمالها لصالح أعمال عربية أخرى ربما تكون هي الأخرى لاتحمل هوية فنية وفكرية لكنها انتاجات تحمل روح المغامرة رأت فيها الفضائيات العربية فتحا جديدا وخاصة الدراما الخليجية، أكثر من 45مسلسلا سوريا لم يسوق منها إلا 10% وهذا يحمل بالطبع الكثير من التساؤلات.. وحسب النقاد فإن مسلسل "غزلان في غابة الذئاب" التي أنتجته شركة الشرق وبرغم عرضه الآن على عدد قليل من المحطات العربية بسبب تأخر عمليات المونتاج إلى أن هذا المسلسل المحبوك بطريقة درامية راقية كان له النصيب الأكبر من المشاهدة و تصدر اغلب المسلسلات الاجتماعية السورية التي تعرض على شاشة رمضان هذه الأيام، ويرى النقاد أن الحكايا التي تدور حولها محاور المسلسل ابتعدت عن المحلية ولامست الكثير من الحياة الاجتماعية العربية التي استطاع الكاتب السوري فؤاد حميره أن ينسجها بواقعية جريئة ويلونها بألوان الطيف الاجتماعي المرئي من خلال رصده أحلام وطموحات الطبقات الفقيرة التي ترغب بالخروج من حالة البؤس والشقاء ودخوله إلى أماكن كانت محظورة، ليعلن من خلالها بان واقعية الحياة تحكمها النسور والتي هي الأقوى والأقدر على تصحيح ورسم أحلام البشر بغض النظر عن تطلعاتهم. لقد رسم العمل في طياته "حكاية غربان حلموا يوما بان يحلقوا كالنسور لكن أحلامهم تذهب أدراج الريح، لقد شكلت إيقاعات المسلسل ميلودراما حقيقية بتفاصيل وأحداث مثيرة لامست بشكل مباشر حياتنا اليومية، كما حمل العمل أيضا بخطوطه الجريئة وغير المعهودة في الدراما السورية الكثير من الآلق الدامي، أما الفنانون المشاركون فقد حملوا أثيراً خاصاً من روحانية القبض على اللقطة المفردة في أدوارهم، فغدير" أيمن رضا " الذي استطاع أن يحلق بأدواته إلى كينونة الدور إلذي يلعبه رسم بحركاته مفردات جمالية وحسية أضفت على زملائه نوعا من الحيوية في أدوارهم وهنا يمكن القول بان الفنان أيمن رضا ومن خلال ايمائياته المتفردة كان العنصر المحرك والدافع لملامسة الواقعية في معناها التجريدي، أما الفنانة أمل عرفة " غادة " والتي تؤدي دورا في غاية التعقيد والانكسار فقد رسمت إيقاعات وجدانية تلقائية وتركت المشاهد يذرف الدموع عليها بكل محبة، أمل التي كانت ضحية اجتماعية بفعل الظروف المحيطة بها وشكلت بلوحاتها المعبرة سيمفونية تراجيدية تحاكي الظلم والقهر والتسلط، كما ترك الكثير من الفنانين المشاركين وخاصة الفنان قصي خولي وسلمى المصري تقاسيم فنية امتزجت بالإثارة والتفرد، أما المخرجة الشابة رشا شربتجي التي كانت تقود دفة العمل فقد برهنت بان العدسة التي تعشق الحكاية قادرة على تحويل الكلمات إلى لوحات شعرية مذهبة.