جائحة كورونا ومتحوراته التي تضرب العالم كله أثبتت أن الفرد هو خط الدفاع الأول ونقطة البداية لحماية المجتمع، وهو أمر تؤكده أدبيات العلوم الاجتماعية التي تشير إلى أن القيم، والتي تمثل الإطار المرجعي لسلوك الأفراد والجماعات، يكتسبها الإنسان من خلال تعامله في المجتمع والظروف التي تحيط به وتؤثر في مستوى تفكيره وسلوكياته، ويختلف الإيمان بها من شخص إلى آخر، حسب حاجاته وخلفيته الاجتماعية.

وقد يتطلب الأمر هنا التوقف مع العلامة ابن خلدون - مؤسس علم الاجتماع - ومقولته في مقدمته الشهيرة: (إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو الاختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال)، لكن تبقى قيم المجتمع، والتي يعد الاتفاق عليها من مظاهر وحدته وتماسكه، محورا رئيسا في تعاملاته مع كافة الظروف والأزمات. وتتصدر المسؤولية الاجتماعية هذه القيم، وتعني الشعور بأهمية الدور الذي يشكله الفرد في المنظومة الاجتماعية، وأنه مكلف بالعديد من الواجبات لتحقيق الأمن المجتمعي.

وفي هذا السياق تشكلت قيمنا المجتمعية في إطار مجتمع حيوي لديه رصيد حافل من القيم الاجتماعية، من بينها التسامح، التعددية وقبول الآخر، وتجلت المسؤولية الاجتماعية بكل وضوح خلال تفاعل المجتمع مع أزمة كورونا. حيث بدت على السطح نماذج رائعة من إنكار الذات والتسابق على تحمل المسؤولية، وإن كان الأمر قد تفاوت من شخص إلى آخر، حسب ظروف الفرد وإدراكه. ويمكن قياس ذلك من خلال التزام المواطنين بالتعليمات والإرشادات التي وضعت من أجل تعزيز الالتزام بالإجراءات الاحترازية لمكافحة فيروس كورونا؛ أي من أجل سلامة الفرد بالدرجة الأولى، من منطلق أن في سلامته، سلامة للمجتمع ككل.

وقد وجدنا أن هناك من يلتزم ويقدر المسؤولية، وهم من يستحقون الاحترام والتحية، وفي الوقت ذاته هناك من يتراخى في القيام بواجبه ومسؤولياته، بحيث أصبح عدم التزامه سببا في إطالة أمد السيطرة على الأزمة. لذلك فمثلما نوجه الشكر للملتزمين بالمسؤولية الاجتماعية، ندعو كل من يتراخى إلى مراجعة نفسه وأن يدرك خطورة الأمر وعلينا أن نكون حازمين بوجه كل من يضيع جهود من يعملون من أجل البلاد على مدار الساعة.

وتمثل أزمة فيروس كورونا فرصة للشركات لإظهار مرونتها واستعدادها الجيد لإدارة المخاطر والتكيف مع الظروف الجديدة، في مواجهة التوترات غير المسبوقة، وهذا مهم ليس فقط حتى تتمكن من الازدهار اليوم؛ ولكن حتى تتمكن من الاستعداد وتوقع التحديات والأزمات المستقبلية التي سيحدثها تغير المناخ على مستوى العالم، ويجب أن يُنظر إلى أزمة فيروس كورونا على أنها فرصة لإعادة التفكير في مسؤولية الشركات وكيف يمكن للمنظمات رد الجميل لأصحاب المصلحة والمجتمع أثناء تكييف اتصالاتهم وساعات عملهم وكيف يمكنهم توقع وإدارة المخاطر؟

ومن أكبر الدروس في المسؤولية الاجتماعية للشركات هو أن التركيز على المرونة في العمل كلما أمكن ذلك ليس مجرد مسألة جذب المواهب أو اكتساب سمعة جيدة حيث كان من الواضح أن الشركات الأكثر مرونة في ذلك الوقت هي التي استجابت بشكل أفضل لهذه الأزمة المؤقتة، وسمح فيروس كورونا بقياس أهمية ثقافة الشركة في الاستجابة للأزمة وفي الشركات التي كان الموظفون فيها أكثر التزامًا، وكان التفاعل والتكيف أسهل من الآخرين، وتم بناء الثقة للعمل عن بُعد بسهولة أكبر.