في مقال الأسبوع الماضي تطرقت لخطورة الغيرة المهنية على منجزات الوطن، وكيف أن غيرة بعض أصحاب المهنة الواحدة من بعضهم البعض، خاصة غيرة غير المنتج من المجتهد المنتج، قد تعيق كثيراً من المنجزات الوطنية، واستشهدت ببعض الأمثلة التي عايشتها وعلى رأسها زراعة الكبد وزراعة وجراحة القلب ومركز إنتاج الأمصال لسموم الثعابين والعقارب وكيف تسبب الحسد ومحاربة المميزين المنتجين في صعوبات بالغة واجهت تلك المنجزات وغيرها كثير، واقترحت على وطني محاربة تلك الظاهرة والتصدي لها وعدم إتاحة الفرصة لتحقيق الحاقد الفاشل إعاقة جهود زملائه المخلصين.

ومن الضروري عدم الخلط بين الغيرة المهنية والغيرة على المهنة، فشتان بين الصفتين والفعلين فالأول ثرى والثاني ثريا، الأول سلوك سيئ ممقوت والثاني فعل حسن محمود، والأول يجب وقفه والثاني يجب تشجيعه والحث عليه.

الغيرة على المهنة (أي مهنة) تهدف إلى وقف الممارسات التي تسيء للمهنة ومحاربة كل شكل من أشكال سوء استغلال المهنة بما يسيء لسمعتها ويشوهها ويخدش شرفها، ومن أمثلة الغيرة على المهنة موقف الأطباء النفسيين من طبيب نفسي يهرف بما لا يعرف ويهذي في القنوات الفضائية والبرامج بما تنهى أبجديات أعراف وأصول المهنة عن ذكره من تعميم سلوكيات شاذة نادرة والتلميح إلى أن المجتمع يعاني منها وهو منها براء أو تحليلات وتفسيرات نفسية لحالات خاصة على الهواء مباشرة، وهو ما لا يجوز ولا تسمح به الأنظمة والقوانين المهنية، أو ذكره لعبارة (جاءني مريض أو جاءتني مريضة وقال وقالت وفعل وفعلت) وجميعها روايات كاذبة، وحتى لو كان بعضها حدث فعلاً فلا يجوز فضحه إعلامياً.

ومن الغيرة على المهنة أن يحارب الصيادلة كل صيدلاني يخون شرف المهنة بأن يخدع المريض بترويج أدوية شركة أغلى سعراً أو العبث في أدوية مراقبة أو قبول مغريات وكلاء بتصريف أدويتهم.

ومن الغيرة على المهنة أن يحارب المهندسون كل مهندس قصر ومرر مشروعاً فيه خلل يعلمه أو قبل رشوة أو خان الأمانة لمصلحة طرف على آخر.

ومن الغيرة على المهنة تذمر الأطباء الشرفاء من سلوكيات الأطباء الجشعين الذين يهملون مرضاهم في المستشفى الحكومي ويتركون عياداتهم وغرف العمليات في مستشفى حكومي ويذهبون لمستشفى خاص مخالفين للنظام ولشرف المهنة، فينصح الأطباء الشرفاء الطبيب المخالف، وإذا أصر نبذوه وبلغوا عنه، حماية لسمعة المهنة ونزاهتها وإنسانيتها.

حتى الصحافيين والكتاب يغارون على مهنة الصحافة وأمانة الكتابة، فينبذون من يسخرهما أو إحداهما لخدمة مصالحه الشخصية على حساب خدمة الدين والوطن ويجانب الحياد ويخون أمانة القلم.