كان لدي مدير أحترمه كثيراً وأرى فيه قدوة في القيادة، كان هذا المدير على الرغم من مشاغله الكثيرة جداً يحرص على أن يدخل في المقابلة الشخصية لجميع الموظفين الذين سيلتحقون بالعمل في المنظمة من أعلى منصب تنفيذي إلى أبسط وظيفة. سألته مرة عن السبب وراء هذا الإصرار العجيب على مقابلة جميع المتقدمين للتوظيف، فأجابني: "أحرص على اختيار أفضل الكفاءات، لا تهمني بدرجة كبيرة المهارات والخبرات فهي أمور يمكن تعلمها لاحقاً والاستثمار في تطوير قدرات الشخص فيها. ولكن ما يهمني هو هل لدى هذا الشخص الشغف؟ هل لديه الولاء والإيمان برسالتنا ومهمتنا؟ هذه الأشياء التي لا تستطيع تغييرها أو شراءها. ومهما بلغت مهارات الإنسان فلن تعني شيئاً إذا لم يكن يمتلك الشغف والولاء". الجدير بالذكر أن نسبة استقالات الموظفين تحت قيادة ذلك المدير كانت منخفضة وحققت المنظمة في زمن إدارته نجاحات كبيرة يشار إليها بالبنان. مقالة اليوم بعنوان: هل مسؤول التوظيف يفهم التسويق؟

كثيراً ما نسمع شكاوى ونقرأ منشورات وتغريدات ونشاهد مقاطع حول باحثين عن العمل أو متقدمين للوظائف يعانون الأمرين بسبب سوء التعامل من مسؤولي التوظيف خاصة في المقابلات الشخصية.

للأسف الشديد يمارس عدد من مسؤولي التوظيف أسلوب الإذلال ويطبقون عقدهم النفسية على المتقدمين للوظائف عبر أسئلة استفزازية أو التحدث بفوقية. وهذا السلوك قبل أن يغدو ظلماً وتعدياً شرعياً واجتماعياً، فهو خسارة كبيرة جداً لأي شركة أو منظمة من الناحية التجارية. والسبب في أن هذا الانطباع السلبي الذي يتركه مسؤول التوظيف هو أسوأ حملة لتشويه سمعة المنظمة وصورتها الذهنية في سوق العمل. مسؤول التوظيف وطريقة تعامله يعبران عن ثقافة المنظمة وأسلوب إدارتها وفلسفتها مع موظفيها. وللأسف تجد الكثير من المديرين ينفقون مبالغ ضخمة للتسويق وبناء اسم الشركة أو المنظمة والاستثمار في البراند، وينسون أن مسؤولي إدارة التوظيف يمكن أن ينسفوا كل هذه الجهود والحملات بتعامل سيئ وغير مسؤول مع المتقدمين للوظائف والذين سيتكلمون ويتحدثون عما واجهوه وشاهدوه.

في الواقع، حصل أن عملت في لجنة متخصصة باستقطاب الرئيس التنفيذي وأعضاء مجلس الإدارة لشركة مرموقة في اليابان، من الأمور الجميلة التي تعلمتها أن تلك المقابلات الشخصية لم تكن فقط لاختبار المرشحين للعمل بل لتسويق الشركة وإقناع تلك الكفاءات بأن تنضم للعمل وأن تنتهز الفرص الكبيرة في هذا العرض. هذه التجربة جعلتني أغير نظرتي في المقابلات الشخصية والتي أراها منصة تسويق مهمة لأي شركة وأي منظمة لبناء اسمها ولتتمكن من استقطاب أفضل الكفاءات إليها في سبيل بناء فرق عمل مميزة تحقق النجاحات والإنجازات.

وباختصار، القائد الفذ يستثمر من وقته في المقابلات الشخصية لأنها ليست إجراءات روتينية لتعيين أشخاص على وظائف، بل هي استثمار مهم لاستقطاب أفضل الكفاءات التي ستبني مستقبل المنظمة، وجزء لا يتجزأ من التسويق الخاص ببناء البراند والصورة الذهنية في السوق. ومن المهم أن يكون هذا الوعي والفهم التسويقي حاضرين لدى مسؤولي التوظيف.

وتعبيراً عن شعور الذين يمرون بتجارب سيئة في مقابلات التوظيف، أختم بمقولة بوب مارلي: "هنالك أشخاص تتمنى لو قلت لهم: سررت بمعرفتكم وأتمنى ألا نلتقي مرة أخرى".