تقديرات الميزانية السعودية للعام المالي القادم جاءت مبشرة في أرقامها، وكشفت أن المملكة تعتبر الأفضل في مجمــــــوعـــة العشرين بالنظـــــر لنسبـــة الـدين إلى النـــاتج المحلي الإجمالي والتي لم تتجاوز 26 %، والثاني سيرتفع من 3 % في 2021 إلى 7 % في 2022، وسيكون هناك فائض بمقدار 24 مليار دولار ولأول مرة منذ ثمانية أعوام، والعجز تراجع من قرابة 13 % في 2016 إلى 3 % في 2021، ومن ثم تحول إلى فائض يزيد على 2 % في 2022، وتدخـــل هذه الميزانية في قائمة الموازنات الدقيقة، والتي تعتمد في حساباتها على رؤية 2030 وبرامــــج التحـــول والتـــوازن المالي المعمـــول بها منذ ستة أعوام، بجانب أن إعـــدادها كان وفق نظام إحصـــــائي محدث أصدره صندوق النقد الدولي في عام 2014، والنظام يساعد الدول على ضبط سياساتها في مجال المالية العامة، ويقيس مؤشرات الاستثمار والادخار ومعها الاستهلاك الحكومي.

التوقعات لم تأتِ من فراغ، فقد تأثرت بالجهود السعودية في أوبك بلس، وضمانها استقرار الأسعار وزيادة الطلب على النفط، وهو ما سيرفع سعر البرميـــــل إلى 75 دولارا في العام المقبل، علاوة على النمــــو اللافت في الموارد غير النفطية لعام 2021، والذي يصنف باعتباره الأكبر في تاريخ المـــوازنات السعودية، وبقيمة تصل إلى 100 مليار دولار، وقد كانت في معظمها إيرادات ضريبية واستثمارية.

بالإضافة إلى الحوكمة وترشيد الإنفاق في القطاع الحكومي، وتراكم الأموال المتحصل عليها من مكافحة الفساد طوال أربــــع سنوات، وأرقامها التقـــــريبية تصل إلى 75 مليار دولار، والفساد بأشكاله المختلفة أفقد الميزانية 15 % من مواردها كحـــــد أقصى، وأثر في مستـــوى الخدمات المقـدمة، وفي تنفيذ المشاريع، وفي أرقام البطالة والوظائف المتوفرة.

أول ميزانية سعودية صدرت عام 1934 في عهد الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - ولم تتجاوز 4 ملايين دولار، وقد تضاعفت ثمانين ألف مرة مقارنة بموازنة 2022، والاقتصاد السعودي يمثل أكبر اقتصاد عربي، وهو لم يفقد مكانته حتى عند انكماشه بفعل الجائحة في 2020، والمملكة تستهدف زيادة إنتاجها المحلي إلى أكثر من ترليونين ونصف الترليون دولار في 2030، وبما يجعل الاقتصاد السعودي ضمن أكبر 15 اقتصادا في العالم، وسيبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية، بعد تسعة أعوام، ما قيمته مئــــة مليار دولار، في مقابل تسع مـــــئة وخمسين مليار دولار للاستثمارات المحلية، وكلها ستتم بمعرفة صندوق الاستثمارات العامة أو صندوق التنمية الوطني المخصص لدعم القطاع الخاص، ولن ينفق عليها من ميزانية الدولة.

يبقى أن التعجيل في مشاريع التحول الرقمي والأتمتة، وفي تخصيص الأعمال ذات الطابع الاستثمـــــــــاري ضمن خطط برنامج شريك، وتحديدا في الوزارات الخدميـــــة الضخمة كالتعليم والصحة والداخليــة، سيوفر كثيــــرا في ميزانية الدولة، وسيجعلها منسجمة مع النسب العالمية المطبقة في أميركا وأوروبا، والتي يتحمل فيها القطاع الخاص مسؤولية توظيف 80 %، والبقية يتم توظيفهم في القطاع العام.