السيد (ف) رجل مخلص ومحب لعمله في أحد الفنادق العالمية في عاصمة خليجية، مع أزمة كورونا تم فصل اثنين من زملائه ولكنه واصل وحده وحافظ على مستوى الأرباح للفندق واستطاع أن يحقق المركز الأول في مجاله على مستوى أكثر من مئة فرع منتشرة للفندق العريق حول العالم. كان المدير العام دائماً ما يفتخر بإنجازاته وإخلاصه ويطلب من بقية موظفي الفندق أن يقتدوا به. ولكن، قرر السيد (ف) مؤخراً أن يقدم استقالته، سألته عن السبب، فأجابني: "لم آخذ إجازة منذ ثلاث سنوات حرمت فيها من رؤية زوجتي وابني، لم يتم تحسين وضعي رغم كل ما حققته من إنجازات وأرباح، وفوق هذا رفض مديري المباشر أن يصرف لي التعويض عن أكثر من ثلاث مئة ساعة عمل إضافي عملتها في الأشهر الماضية". في الواقع، تلقى السيد (ف) عرضاً وظيفياً من جهة أخرى بضعف الراتب الذي يستلمه في عمله الحالي، وأكد لي أنه حزين لمغادرة مكان كان قد أحبه في الماضي ولكنه اضطر لمغادرته خاصة وأن المدير العام لا يعرف شيئاً عن هذه الظروف الصعبة والمعاملة الظالمة التي يتعرض لها..

ما حصل للسيد (ف) ذكرني بقصة رواها ا. سايمون سينك عن زيارته لأحد الفنادق الشهيرة في مدينة لاس فيغاس والذي يصفه بالرائع ليس للأسرة الفاخرة بل بسبب الموظفين الذي يعملون هناك. يروي أنه كان يشرب القهوة في البهو وكان عامل اسمه (نواه) لطيفاً معه للغاية والابتسامة لا تفارقه، فسأل سايمون سينك العامل:"هل تعجبك وظيفتك؟"، فأجاب العامل (نواه): "أحب وظيفتي"، وعندما سأل سيمون العامل مرة أخرى: "ما السر الذي يجعلك تحب عملك في هذا الفندق؟"، أجاب العامل (نواه): "طوال اليوم يمر المديرون بي ويسألونني عن حالي، وكيف يمكن أن يساعدوني؟ ليس مديري فقط بل أي مدير". ويتابع العامل (نواه): "في الحقيقة أنا أعمل في فندق آخر أيضاً، ولكن المديرين هناك يحاولون أن يتصيدوا أخطاء العمال ويسجلوا الملحوظات عليهم، لذلك أحرص على أن لا ألفت الأنظار وأقضي ساعات عملي لأستلم راتبي وأغادر بسرعة بعكس هذا الفندق الرائع".

ورغم أن القصتين التي تم عرضها تتكلم عن عالم الفنادق، إلا أنها تنطبق على بيئات العمل في مختلف القطاعات عموما، الموظف الذي يتم التعامل معه بتقدير واحترام واهتمام من الإدارة سيعمل بكل ما لديه للنجاح في المنظمة التي وفرت له بيئة عمل صحية ومحفزة وهو ما سينعكس على الأداء والإنجاز ونوعية الخدمات والمبيعات، وبالمقابل، الموظف الذي يتم التعامل معه بفوقية واستحقار وشك وريبة سيعيش كل لحظة في خوف وتوجس من الإدارة ويبحث عن أول فرصة يستطيع فيها الهرب لمكان آخر يقدره ويحترمه.

في قصة السيد (ف) عدة أسباب تلخص أسباب استقالته رغم أنه حقق المركز الأول عالمياً على مستوى سلسلة الفنادق، ومنها:

تجاهل التوازن بين الحياة والعمل وحرمانه من الإجازات.

غياب التقدير في عدم زيادة المرتب رغم الأداء القوي.

الظلم في عدم صرف مخصصات خارج الدوام.

ضعف التواصل مع المدير العام للفندق الذي كان يستشهد بأدائه ويعتبره قدوة للموظفين

انعدام الدور الفاعل للموارد البشرية في الاستماع لشكاوى الموظفين وحلها.

وختاما، توفير بيئة العمل المثالية ليس ترفاً أو رفاهية، بل خيار حتمي لكل منظمة تريد النجاح والتميز في زمن أصبحت فيه الجهات تتنافس على الكفاءات، العناية بالموظفين ليست بعمل التوزيعات وإقامة الحفلات والفعاليات الموسمية، بل بتوفير بيئة العمل الصحية المثالية المحفزة في كل لحظة يقضيها الموظف في حياته بسعادة ورضا عن الإنجاز والعطاء.