أصبح مصطلح الرقمنة digitization يستخدم في جميع بلدان العالم المتقدمة منها والنامية على حد سواء، لأن الدول المتقدمة تعتمد في كل تكنولوجياتها على الرقمنة، والدول النامية لا تريد أن تتأخر عن الركب، هذا يأخذنا لنقطة مهمة وهي تعريف الرقمنة، فالرقمنة ليست تكنولوجيا ولكنها وسيلة نحو استخدام أنواع كثير من التكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعي، وهي ببساطة تحويل جميع المعلومات والوثائق إلى صورة تستطيع أجهزة الكمبيوتر التعامل معها، هذا ليس بالشيء السهل لأنك تريد تحويل الوثائق والصور والأصوات ومقاطع الفيديو وأي شيء يمكن قياسه مثل درجة الحرارة وشدة الإشعاع وما شابه إلى صورة يستطيع الكمبيوتر التعامل معها وتخزينها وتحليلها، وذلك ليس سهلاً ولكنها مشكلة تقنية وأصبح بالإمكان التعامل معها وحلها.

هناك تحديات في طريق الرقمنة، أولها تحديات تشريعية وقانونية، ففي المستقبل القريب ستكون أغلب المستندات في صورة رقمية لا ورقية وسيكون التوقيع إلكترونيا بدلاً من الورقي، وعندما تتحول أغلب الوثائق والمعلومات إلى النظام الرقمي فسنحتاج حتماً إلى وسائط تخزينية عملاقة السعة، إذا فالتحدي هنا ليس صعباً ولكن يجب التأكد دائماً من وجود سعة تكفي كل ما نحتاج تخزينه لأن المعلومات التي نحتاج تخزينها تزداد كل يوم، كما يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة تجاه ما يجب تخزينه للأبد وما يمكن مسحه بعد مدة.

بالنسبة للمعلومات المهمة والتي نود الاحتفاظ بها لمدة طويلة يجب أن نأخذ عدة احتياطات، فيجب أن تكون هناك عدة نسخ من تلك المعلومات وتخزن على أجهزة مختلفة حتى إذا تلف جهاز منهم لم نفقد المعلومات وهذه هي الاستراتيجية التي تنتهجها أغلب المؤسسات والشركات الكبيرة مثل فيسبوك وتويتر، الصعوبة هنا هي في وجود استراتيجية تحدد عدد النسخ حسب أهمية المعلومات والتحدي الأصعب هو أنه إذا تم تحديث المعلومات يجب أن يتم ذلك في كل النسخ وتقريباً في وقت واحد.

المعلومات عظيمة الأهمية يجب حمايتها من الاختراق والسرقة، فالاختراق قد يمكن من إحداث تغييرات في المعلومات، أما السرقة فهي الحصول على نسخة من المعلومات، فالحفاظ على سرية المعلومات يجب أن يتم ببرمجيات متقدمة جداً لأن الاختراق أو السرقة يتم عبر الإنترنت. ومجرد تخزين المعلومات الرقمية لا يعطي فائدة كبيرة، الفائدة تأتي من تحليل تلك المعلومات واستخدامها في التخطيط والتنفيذ.. وتحليل مجموعات ضخمة من المعلومات في وقت قصير يحتاج أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة وبرمجيات ذكاء اصطناعي متقدمة.

وأخيراً مجرد الرقمنة لا يكفي بل يجب معالجة تلك المعلومات قبل تحليلها والاستفادة منها، والمعالجة هنا تشبه معالجة المياه قبل استخدامها في الشرب فكما أن شرب المياه قبل معالجتها يؤدي إلى المرض فإن استخدام المعلومات قبل معالجتها يؤدي إلى قرارات خاطئة بل وكوارث في بعض الأحيان، فقبل استخدام المعلومات في اتخاذ قرارات أو التخطيط يجب مثلاً مقارنة المعلومات ببعضها إذا جاءت من عدة مصادر والتأكد أنه لا يوجد تناقض، ومعالجة المعلومات ثم تحليلها هو جزء من علوم المعلومات Data Sciences وهو تخصص بدأ يظهر كقسم منفصل عن أقسام علوم الحاسب وأقسام هندسة الحاسبات في جامعات عالمية كثيرة.. الرقمنة خطوة مهمة جداً ولا بد منها يقوم بها العالم كله الآن لكن يجب أن نضع تلك التحديات التي تحدثنا عنها اليوم وحلولها نصب أعيننا.