الفضل.. أسرة نجدية شهيرة وذات مكانة اجتماعية وسياسية واقتصادية في الجزيرة العربية، بل وخارجها، ومنبت هذه الأسرة العريقة مدينة عنيزة، حيث أنجبت أفذاذاً في القيادة والإدارة والدبلوماسية وعالم المال والأعمال، ومن هذه الأسرة شخصيات تولت مناصب قيادية كبيرة في بدايات التنظيم الإداري للمملكة فأثبتوا مقدرتهم الفائقة في الإدارة، فكما أنهم تعاطوا التجارة ونجحوا فيها، فهم إداريون من الدرجة الأولى، لهذا وثق بهم المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وعين منهم رجالاً كان لهم في المشهد السياسي حضور قوي وبارز، وجَدُّ -شخصيتنا لهذا الأسبوع- هو عبدالله بن صالح الفضل، الذي أُطلق سوق باسمه في عنيزة -سوق الفضل-، ويُعد من كبار تجار العقيلات بعنيزة، وأنجب عدداً من الأبناء، وأصبح له أحفاد، ومن هؤلاء الأحفاد الأفذاذ الإداري الناجح المميز إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن صالح الفضل، هذه الشخصية التي قدمت لمليكها ووطنها الكثير من العطاء الوطني الصادق المثمر، وكان هذا دأب وسيرة الشخصيات من أسرة آل فضل الكريمة المعطاءة.

ولد إبراهيم الفضل في عنيزة عام 1307هـ، وعاش مع والده عبدالرحمن بن عبدالله الفضل، وعاش طفولته وصباه في عنيزة متربياً على مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال وعلى السلوك، وقوام ذلك كله الدين والتمسك بتعاليمه، كان جدّه التاجر عبدالله بن صالح الفضل من مشاهير العقيلات الذين قطعوا البلاد المجاورة بالتنقل والترحال مثل العراق والشام ومصر، وقد ورّث عبدالله الفضل أبناءه وأحفاده هذا المغامرة في الترحال والضرب في الأرض والمشي في مناكبها والسعي في الرزق.

تعلم التجارة

هاجر إبراهيم الفضل من عنيزة مع بعض من أفراد هذه الأسرة شرقاً إلى الهند وغرباً إلى الحجاز للتجارة، وكانت الهند آنذاك تحت الحكم البريطاني، وهي نشطة تجارياً، بل هي درة التاج البريطاني، وكانت البيوت التجارية النجدية لها اسمها الكبير في الهند، فبيت آل فضل التجاري كان من ضمن هذه البيوت التجارية، والجدير بالذكر أن هذه الأُسر كانت سفارات للبلاد النجدية وليست فقط هي للعمل التجاري البحت، وتمكنت أسرة الفضل من الرسوخ تجارياً في الهند وكذلك في الحجاز، وكانوا وكلاء الملك عبدالعزيز في الهند.

رحل إبراهيم الفضل إلى الهند مع عمه صالح بن عبدالله الفضل وعمه الآخر إبراهيم، ليتزود ويتعلم أساليب التجارة منهما، ولعل رحلته كانت في وقت مبكر من عمره.

مضيّف راعي نجد

وذكر المؤرخ د. عبدالرحمن بن صالح الشبيلي -رحمه الله- أن أسرة الفضل هاجر أفرادها من عنيزة إلى الهند شرقاً ونزح البعض الآخر إلى الحجاز قبل دخولها تحت حكم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- 1925م، حتى صار كثير من رموز هذه العائلة يترددون على الهند وبلدان الخليج ويمارسون التجارة فيها، ويقول أيضاً: قد يكون من المفيد التذكير بعمه صالح عبدالله الفضل الذي استقر في بومبي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكان على صلة عمل ومودة مع الملك عبدالعزيز، ويذكر له ولأخيه إبراهيم أنهما استقبلا الأمير فيصل بن عبدالعزيز -الملك فيما بعد- عند مروره بالهند التي كانت تمثل المحطة شبه الوحيدة للبواخر المتجهة إلى أوروبا في رحلته التي رافقه فيها أحمد بن ثنيان، ويستطرد د. الشبيلي متحدثاً عن أسرة الفضل ومدى عمق علاقتها مع الملك المؤسس الملك عبدالعزيز وأن صالح الفضل صدرت بينه وبين الملك عبدالعزيز مراسلات تتعلق ببعض المهمات التي كلفه بها المؤسس، والجانب الآخر من المراسلات يتعلق ببعض المشتريات والجوانب الإنسانية والثقافية، وهذا يدل على مكانته لدى الملك المؤسس ومكانة هذه الأسرة المتفانية في العطاء الوطني.

يُذكر أن منزل صالح بن عبدالله الفضل في الهند كتب على واجهته: «مضيّف راعي نجد الغريب»، فكان النجديون وغيرهم يحلون بمنزل هذا الكريم بالهند، وقد شاهد هذا المضيف الكبير أحد رجالات نجد في رواية رواها المؤرخ محمد بن بليهد في كتابه (صحيح الأخبار عمّا في بلاد العرب من الآثار) وكانوا يبلغون حوالي المئة رجل في هذا المضيف، وكأني أسمع قول الكريم صالح يردد هذا البيت الشهير

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا

نحن الضيف وأنت رب المنزل

تعليم وتثقيف

وسافر إبراهيم الفضل -رحمه الله- إلى الهند وتعلم اللغة الإنجليزية؛ لأنها لغة مستخدمة في الدولة، كذلك تعلم الأردية لأنها لغة الشعب عموماً، عاش مع عمه صالح الفضل وتعلم منه ولا شك أنه تأثر بعميه صالح وإبراهيم في تعلم أساليب التجارة والتعرف على الناس الذين يفدون إلى هذا المنزل الذي لا يكاد يخلوا من البشر وفيه الوجهاء والأعيان من الخليج العربي ونجد، فكان هذا المنزل مصدراً من مصادر التعليم والتثقيف، بل وأتقن مهارات المال والأعمال من الاستيراد والتصدير من تجارة الأطعمة والعطور وتجارة اللؤلؤ والذهب وكان قد تعلم مبادئ القراءة والكتابة بعنيزة.

وتنوعت تجارة أسرة الفضل في الهند بل توسعت واشتهرت وكان علاقتها عميقة مع رجال المال والأعمال في الهند ومع التجار النجديين المقيمين هناك، واستوعب إبراهيم الفضل العمل التجاري في وقت وجيز، وكانت ذاكرته تختزن كل تجربة تمر بحياته يراها أو يشاهدها أو يتعامل معها، وبدأ يمارس عمله التجاري وخبرته في الهند، فأصبح عالماً وخبيراً بالمال والأعمال، وقد عمل في متجر الأسرة في جدة مع أخيه عبدالله الفضل.

ومن القيادات التي ارتقى إليها إبراهيم الفضل تمثيل مسلمي الهند في الحج في أول لجنة خاصة بحجاج بيت الله الحرام، وما ذلك إلاّ دلالة على رزانة وكفاءة هذه العقلية، فالحاكم في الهند لم ينتقِ ويختار هذه الشخصية بعشوائية بل بسابق معرفة والعمق في موهبة هذه الشخصية، لهذا اعتمده وهو لا يزال شاباً، لكن لتميزه وتفوقه عين لهذه القيادة والإدارة.

حدث كبير

وشارك إبراهيم بن عبدالرحمن الفضل مع سبع عشرة شخصية، حيث اجتمعوا في منزل أخيه غير الشقيق عبدالله الفضل وتقدموا إلى الملك المؤسس عبدالعزيز مقترحاً أن يكون اسم الدولة التي توحدت على يد المؤسس تحت مسمى المملكة العربية السعودية، وقد وافق المؤسس على هذا الطلب، وذلك بتاريخ السابع عشر من جمادى الأولى لعام 1351هـ، حيث صدر الأمر الملكي وأصبح اسم البلاد المملكة العربية السعودية منذ ذلك التاريخ المجيد، وقبل هذا المسمى كان الاسم لهذا الوطن مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها.

وكانت هذه الشخصيات التي التمست من الملك عبدالعزيز هذا المقترح هم من الشخصيات السياسية والوزارية والشورية والإدارية والاقتصادية الرائدة خلال تلك الفترة، فكانت هذه الشخصيات متنوعة في مجالاتها وتخصصها، وقد كتب عن هذه الشخصيات الذين صاغوا النظام المقترح لإعلان توحيد المملكة الباحث بندر بن عبدالرحمن المعمر في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 19 /2/ 1443هـ وهو مقال قيم في موضوعه بعنوان اليوم الوطني السعودي صفحات لم تكتب.

رئيس ديوان نائب الملك

من القيادات المهمة الكبيرة التي تولاها إبراهيم بن عبدالرحمن الفضل منصب رئيس ديوان نائب الملك في الحجاز، وهو منصب له قدره ومكانته، فكل الأمور الإدارية في منطقة الحجاز والبت فيها في هذا الديوان، ويطلق عليه ديوان النيابة العامة، فنائب الملك عبدالعزيز هو ابنه فيصل -الملك فيما بعد- وهذا الديوان يرأسه إبراهيم الفضل، وتولى كذلك عضوية مجلس الشورى وعضوية مجلس الوكلاء، وهكذا استلم مسؤوليات حكومية رسمية قريبة من صنع القرار، وحظي بثقة الملك المؤسس ونائب الملك.

وهذه الأسرة الكريمة كان عميدها عبدالله بن محمد الفضل -أحد مستشاري الملك عبدالعزيز- وكان مقرباً من الأمير فيصل عندما كان نائب الملك في الحجاز، فصار نائباً له في مجلس الشورى، ثم أصبح نائباً له في مجلس الوكلاء بعد تشكيله 1932م جامعاً بين هاتين الوظيفتين، وهو شخصية مشهورة ولها حضورها الفعال، وتوفي في القاهرة 1969م عن عمر يقارب التسعين عام.

ومن هذه الأسرة كذلك الوزير المفوض في مصر عبدالله بن إبراهيم الفضل الذي توفي في لوزان -سويسرا- سنة 1376هـ.

رحلة تفتيشية

وأنجبت أسرة الفضل محمد بن عبدالرحمن وهو من وجهاء الوطن وكانت له مشاركات في الأدب والثقافة والتاريخ، وقد ذكرنا تاريخهم التجاري والاجتماعي والسياسي في الهند الذي تصدره الشيخ صالح بن عبدالله الفضل وأخيه إبراهيم، فكانت أسرة منجبة لهؤلاء النوابغ في القيادة والتجارة وعالم المال والأعمال، واشتهروا كذلك بحسن السيرة وطيب الذكر ومكارم الأخلاق.

وتوفي إبراهيم بن عبدالرحمن الفضل في رحلة تفتيشية، وقد أعلنت صحيفة أم القرى خبر وفاته بعنوان فقيداً كريماً انتقل إلى رحمة الله إثر مرض أثناء قيامه برحلة تفتيشية، وتاريخ الصحيفة 2 / 4/ 1359هـ الموافق ميلادي 10 /5/ 1940م، وقد دفن رحمه الله بالطائف بعد أن أمضى حياته في خدمة مليكه ووطنه مخلصاً صادقاً أميناً وفياً لم يسمع عنه إلاّ كل ثناء على سيرته وعمله في الدولة، فكان رجل دولة حقيقة وواقعاً، وفي الختام أشكر المهندس فيصل الفضل على تزويدي بالمعلومات عن سيرة هذا الرجل الفذ، فله مني وافر الشكر والتقدير والعرفان.

خطاب حول سفر إبراهيم الفضل إلى مهمة رسمية
عنيزة أنجبت أفذاذاً في الإدارة والدبلوماسية وعالم المال والأعمال
إبراهيم الفضل -رحمه الله-
خبر وفاة إبراهيم الفضل -رحمه الله-
أسماء الشخصيات التي رفعت برقية للملك عبدالعزيز لتحويل اسم المملكة
الأمر السامي لتعيين إبراهيم الفضل عضواً في مجلس الشورى
إعداد- صلاح الزامل