من الشخصيات التي شدتني في قصة موسى عليه السلام أخته التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. هي مريم بنت عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. في الأسطر التالية محاولة لاستنباط عدد من الدروس القيادية من قصتها كما يلي:

الطاعة وتنفيذ الأوامر: تشير المصادر إلى أن مريم كان عمرها حوالي عشر سنوات عندما ولد موسى عليه السلام. ولاشك أنها كانت تعي خطورة الوضع وتربص جنود فرعون وترى أمامها والدتها في تلك الحالة النفسية الصعبة وفؤادها فارغ وهي قلقة على مصير ابنها الرضيع. ورغم صعوبة الموقف فقد امتثلت دون نقاش لأمر والتها في قولها (قصّيه). وفي حالات الأزمات والطوارئ يكون من المهم القدرة على التنفيذ السريع والتحرك المرن. فنقاش بلا معنى في ذلك الوقت كان سيجعل من شبه المستحيل أن تتقفى أثر أخيها في اليم. ومن المشاكل التي تواجهها الكثير من المنظمات الانفصال بين استراتيجية الإدارة والموظفين في أرض الميدان أو الجدال الكثير بعد اتخاذ القرارات. من الجيد أن يكون هنالك تبادل للآراء في الظروف العادية، لكن هنالك أوقات يعتمد فيها النجاح على سرعة الامتثال والتنفيذ للتوجيهات.

تحليل المشاكل وتشخيص الواقع: من المهم أن يمتلك القائد القدرة على تحليل الواقع وفهم الظروف المحيطة والمستجدات. أم موسى عليه السلام أمرت ابنتها بتتبع أخيها وهو التوجيه الذي تم تنفيذه بحذافيره. ولكن وبعد أن التقط آل فرعون أخاها، كان عليها أن تبدأ باتخاذ القرارات بنفسها. واستطاعت أن تستوعب مشكلة عدم تقبل أخيها لأي من المرضعات أو أي طعام. هذا الفهم للمشكلة سهل لاحقاً اتخاذ القرارات الصحيحة للتعامل معها. وفي العالم المهني تواجه المنظمات مشكلة عدم الاعتراف بالمشكلة أو التشخيص الخاطئ لها. الأمر شبيه بطبيب عاجز عن تشخيص المرض مما سيجعل من غير المأمول توصيفه لعلاج صحيح.

التفكير بالحلول العملية: كما أنه من المهم أن يمتلك القائد وفريقه ميزة الطاعة وتنفيذ الأوامر، فمن المهم أيضاً امتلاك وتطوير قدرة اتخاذ القرار والتعامل لحل المشاكل. وهذا كان حال مريم والتي بادرت بأن تعرض على أهل القصر أن تدلهم على أهل بيت يكفلون موسى عليه السلام. ولما سألها أهل القصر وما أدراها أن أهل البيت سيعتنون بموسى عليهم السلام أجابتهم بأن ذلك طمعاً في رضا فرعون.

الكتمان وسرية المعلومات: أشار القرآن الكريم إلى أن مريم تتبعت أخاها موسى عليه السلام عن جنب وقوم فرعون وجنوده لا يشعرون. وحتى عندما عرضت عليهم أن تدلهم على بيتها لم تفصح عن هويتها الحقيقية. وهذا هو حال القائد والمنظمات الناجحة التي تحرص على الشفافية ومشاركة المعلومات ولكن في الوقت نفسه تمتلك القدرة على حماية المعلومات الحساسة والمشاريع المهمة التي لا يتم الإعلان عنها إلا في التوقيت المناسب.

التوقيت عامل حاسم: الالتزام بالجدول واتخاذ القرار وتنفيذه في التوقيت المناسب عامل حاسم في النجاح. لم تتأخر مريم في عرض فكرتها وتنفيذها وإقناع أهل القصر، والدليل أن موسى عليه السلام الرضيع لم يكن ليصمد مدة طويلة بدون غذاء خاصة وهو حديث الولادة وبعد رحلته في اليم. وهكذا حال الكثير من المنظمات التي تستهلك وقتاً مبالغاً فيه للدراسات والاستشارات والمناقشات حتى يضيع الوقت ويصبح القرار بلا معنى.

وختاماً، يظل آخر درس وهو أهمية العناية بالإخوة والأخوات الذين هم نعم السند والعون لنا في حياتنا، وضرورة زرع هذه القيمة بالحرص على الروابط الأسرية بين أبنائنا وبناتنا وإخوتنا الصغار...